مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط العلمية
وكَرَّرَ السُّجود حتَّى قيل: هذا هُدْهُدٌ بينَ يَدَيْ سُليمان زَمانِهِ (١)؛ وفَضَّهُ فَلَمَّا لَمَحَ تاج اسْمِهِ، قامَ لَهُ وَلَبَّسَهُ لَثْمًا، وعَلِمَ أَنَّ البَرَكَاتِ تَنَزَّلَتْ عليهِ لَمَّا سَمَّى، وَأَحَبَّ جَمْعَ مَا فِيهِ من مال البَلاغَةِ حُبًَّا جَمًَّا، وأَكَلَ تُراثَ أَشْواقِهِ المُخَلَّفَةِ من حُروفِهِ أَكْلًا لَمَّا، وَذَكَرَ من حديقته اليانعة ما أَنْساهُ نَخْلَتَيْ حُلوانَ (٢) وَمَحَلَّتَيْ سَلْمَى: [من البسيط]
وَرُحْتُ أَسْقِيهِ مِنْ دَمْعِي وَأَلْتُمُهُ … وكادَ يَذْهَبُ بَيْنَ الدَّمْعِ والقُبَلِ
ثم تَأَمَّلَ مَا اشْتَمَلَ عليهِ من جَنَّاتٍ تَزَخْرَفَتْ، وبُروقِ مَعَانٍ تَأَلَّقَتْ، وسَحَائِبِ سُطُورٍ تَأَلَّفَتْ، وَنَزَعَاتٍ فَاضِلِيَّةٍ اقْتَدَرَتْ على الكَلامِ فَتَصَرَّفَتْ؛ أَسْتَغْفِرُ الله، بل في كَلامِ الفَاضِلِ جُزَئِيَّاتٌ تُشْبِهُ هَذِهِ الكُلِّيَّاتِ، ومَعابِرُ كَانَ يَغوصُ فِكْرُهُ فِي لُجَّةِ بَيانِها على هذه الكَلِماتِ اللُّؤْلُويَّاتِ، وَزَهَراتٌ كَانَ يَقْتَطِفُها من هَذِهِ الرِّياضِ، وقَطَراتٌ كَانَ يَرْتَشِفُها فَمُ قَلَمِهِ من هذِهِ الحِياض، فلقد أتى وادي مولانا فَطَمَّ على قَرِيهِ، وجَاءَتْ جِيادُهُ وغُبار سَبْقِها يُنْفَضُ من هوادي مَطِيِّهِ: [من الطويل]
وما زال يُنْبِي النَّاسَ فَضْلُ كلامِهِ … بأن كلام العالمينَ فُضُول
فاتَّخَذَها مَقامًا، وحنا على جَواهِرِها لأَنَّها يَتامى، وتَحَقَّقَ بَرَكَتَها فَإِنَّ نَارَ الخَلِيلِ رَجَعَتْ بِها بَرْدًا وسلامًا، وَرَشَفَ من أَلْفَاظِها مُدامًا يُسَمِّيهِ النَّاسُ كَلامًا، وخَلَبَ لُبَّهُ سِحْرُها الحَلالُ، وَكَانَ يَظُنُّ السِّحْرَ حَرامًا، وفَهِمَ مِنْهَا ما وَقَرَ فِي قَلْبِهِ فَسَبَقَ النَّاسَ إِلَى البُشْرَى، وصَحا قَلْبُهُ وَصَحَّ لَمَّا تَفَرَّقَ عَمامُ غَمِّهِ وَتَفَرَّى، وَوَدَّ لَو شَهِدَ بَطْنَ خَبْتٍ وقَد لاقى الهِزَبْرُ أَخاهُ بِشْرًا (٣)، وعَلِمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرادَ لِمَولانا أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ عَزيزًا، ويَجْعَلَ طِيْنَها الإِبْلِيزَ مِثْلَ كلامِهِ إِبْريزًا، وأَنْ لا يَرى فيها ما يُرَوِّعُ رُوْعَهُ، وَأَنْ لا يَرى