فتاوى الشبكة الإسلامية
حكم تكفير العمرين وأكابر الصحابة رضوان الله عليهم
[السُّؤَالُ]
ـ[هل يصح القول بتكفير أكابر الصحابة كالعمرين؟ نظرا لما حصل بينهم من الخلاف ولاتهام البعض لهم بالظلم..]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن تكفير الشيخين وأكابر الصحابة منكر عظيم ولا يستبعد أن يوقع صاحبه في الكفر المخرج من الملة لأنه مكذب ومخالف لما ثبت في القرآن من الشهادة للمهاجرين والأنصار بالإيمان والسبق في الخير كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿الأنفال:٧٤﴾
وقوله ﷿: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿التوبة: ٨٨ـ٨٩﴾ .
وقوله ﷿: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿التوبة:١٠٠﴾ .
وإذا لم يكن أبو بكر وعمر وأكابر الصحابة داخلين في هذه النصوص فمن يدخل فيها، فهم معنيون به بالدرجة الأولى وهم خير القرون، ولهم فضل عظيم على جميع الأمة، وقد اختارهم الله لصحبة نبيه فآمنوا بالله ورسوله وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل. اهـ.
ولقد عد العلماء قديماً الطعن في أصحاب رسول الله ﷺ علامة على أهل البدع والزندقة الذين يريدون إبطال الشريعة بجرح رواتها.
قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة!!.
وعن الإمام أحمد أنه قال: إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء ـ فاتهمه على الإسلام. وقال الإمام البربهاري: واعلم أن من تناول أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه إنما أراد محمد اً، وقد آذاه في قبره. اهـ.
وقد تتابعت الأدلة على فضل الصاحبين في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فقد قال الله تعالى: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَ ا (التوبة: من الآية٤٠) .
فصاحبه هو أبو بكر ﵁ بإجماع المفسرين، كما تميز ﵁ بخصائص لا توجد في غيره من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ذلك شاركهم في مزاياهم وفضائلهم.
فمن ذلك قوله ﷺ: لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ: لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر. متفق عليه.
وقال ﷺ: إن أمنَّ الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر. رواه البخاري ومسلم.
وفي البخاري عن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة فقلت من الرجال فقال أبوها قلت ثم من قال عمر بن الخطاب فعد رجالا..
وقد روى الإمام أحمد في مسنده والطبراني وغيرهما عن أبي جحيفة قال: خطبنا علي ﵁ فقال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ﵁، ثم قال ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر ﵁ فقال عمر ... اهـ، والرواية عنه بهذا حسنها الأرناؤط والألباني..
ومن الأحاديث الثابتة في فضل عمر قوله صلى الله علي وسلم: إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به. رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وقوله: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب. رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وفي مسلم أنه ﷺ قال فيه: والذي نفسي بيده؛ ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك.
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَىَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْي، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَي عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ، قَالُوا فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الدِّينَ. رواه البخاري.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: إني رأيت في النوم أني أعطيت عسا مملوءا لبنا فشربت منه حتى تملأت حتى رأيته في عرق بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب فقالوا يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأت منه ففضلت فضلة وأعطيتها عمر بن الخطاب، فقال أصبتم. رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
ولو تتبعنا فضائل العمرين وما ورد فيهما من النصوص الصحيحة الصريحة لما اتسعت الفتوى لذلك.
هذا وننبه إلى أن أبابكر وعمر ﵄ لم يثبت عنهما القيام بظلم الناس بل ثبتت الشهادة لهما بالحكم بالعدل والإنصاف.
وأما الخلاف الذي حصل بين الصحابة فليس مما يؤثر على عدالة الصحابة فهم كلهم يطلبون الحق ومجتهدهم إما مصيب ذو أجرين وإما مخطئ له أجر وخطؤه مغمور في بحار حسناته، وبهذا يعلم أن تكفير الصحابة قول في غاية السقوط.
وراجع الفتويين التاليتين: ٣٤٨٩٨، ٤٠٧٦٧.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٥ جمادي الأولى ١٤٢٩