Skip to content

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

القسطلاني

Printed page ٢/ ٣٨٦

فأخبر النبى- ﷺ بذلك فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» «١» أى لا يجرى فيها خلف ولا نزاع، فإن فى هذه الحكاية ونظائرها نظرا واضحا لقيام الكفر بالمحكى عنهم والزيادة منهم، وقد أخبر- ﷺ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له فى مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. هذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين.

وأما ذكر كافر أصلى بلغته دعوة النبى- ﷺ وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع فى إهدار دمه قطعا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، وتؤذى النبى- ﷺ وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا.

فقد تبين مما ساقه القاضى عياض أن أمره- ﷺ بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة، ولم ينقل أنه- ﷺ قتل مسلما بسببه، وإنما كان ذلك فى أهل الكفر والعناد، فلو نقل فلا يتعين كونه حدّا، لاحتمال أن يكون قتله كفرا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» فأعلمنا أن ما وراء الشرك فى حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «٣» «٤» .

فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا فى حق النبى- ﷺ وليس لنا أن نسقطه لأنه لم يرد إذنه فى ذلك بخلافه هو- ﷺ فإن له ذلك.