Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير [سورة المائدة (٥) : آية ٢٧]

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ١١/ ٣٣٨

قَدِيمِ الدَّهْرِ عَلَى التَّمَرُّدِ وَالْحَسَدِ حَتَّى بَلَغَ بِهِمْ شِدَّةُ الْحَسَدِ إِلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا لَمَّا قَبِلَ اللَّه قُرْبَانَهُ حَسَدَهُ الْآخَرُ وَأَقْدَمَ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْحَسَدِ، فَإِنَّهُ لَمَّا شَاهَدَ أَنَّ قُرْبَانَ صَاحِبِهِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى فَذَلِكَ مِمَّا يَدْعُوهُ إِلَى حُسْنِ الِاعْتِقَادِ فِيهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ، فَلَمَّا أَقْدَمَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَتَلَهُ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِي الْحَسَدِ إِلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَيَانَ أَنَّ الْحَسَدَ دَأْبٌ قَدِيمٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: هَذَانِ الرَّجُلَانِ كَانَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْأَخْبَارِ، وَفِي الْآيَةِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ جَهِلَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَقْتُولِ حَتَّى تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْغُرَابِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ، وَهُوَ الْحَقُّ واللَّه أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ بِالْحَقِّ فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: بِالْحَقِّ، أَيْ تِلَاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالْحَقِّ وَالصِّحَّةِ مِنْ عِنْدِ اللَّه تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَيْ تِلَاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ مُوَافِقَةً لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. الثَّالِثُ: بِالْحَقِّ، أَيْ بِالْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَهُوَ تَقْبِيحُ الْحَسَدِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ كَانُوا يَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّه ﷺ ويبيعون عليه. الرابع:

بالحق، أي ليعتبرون به لا يحملوه عَلَى اللَّعِبِ وَالْبَاطِلِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَقَاصِيصِ التي لا فائدة فيها، وإنما في لَهْوُ الْحَدِيثِ، وَهَذَا/ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ مِنَ الْأَقَاصِيصِ وَالْقَصَصِ فِي الْقُرْآنِ الْعِبْرَةُ لَا مُجَرَّدُ الْحِكَايَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يُوسُفَ: ١١١] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِذْ: نُصِبَ بِمَاذَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نُصِبَ بِالنَّبَأِ، أَيْ قِصَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. الثَّانِي:

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّبَأِ أَيْ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبَأِ نَبَأَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الْمُضَافِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْقُرْبَانُ: اسْمٌ لِمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ ذَبِيحَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْقُرْبَانِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْلُهُ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً قَرَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْبَانًا إِلَّا أَنَّهُ جَمَعَهُمَا فِي الْفِعْلِ وَأَفْرَدَ الِاسْمَ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِمَا عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قُرْبَانًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْقُرْبَانَ اسْمُ جِنْسٍ فَهُوَ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْعَدَدِ، وَأَيْضًا فَالْقُرْبَانُ مَصْدَرٌ كَالرُّجْحَانِ وَالْعُدْوَانِ وَالْكُفْرَانِ وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قِيلَ: كَانَتْ عَلَامَةُ الْقَبُولِ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّارُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَامَةُ الرَّدِّ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّارُ، وَالْأَوَّلُ أولى لا تفاق أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى، فَكَانَتِ النَّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا صَارَ أَحَدُ الْقُرْبَانَيْنِ مَقْبُولًا وَالْآخَرُ مَرْدُودًا لِأَنَّ حُصُولَ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ. قَالَ تَعَالَى هاهنا حِكَايَةً عَنِ الْمُحِقِّ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَقَالَ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ مِنَ الْقُرْبَانِ بِالْبُدْنِ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الْحَجِّ: ٣٧] فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَى حَضْرَةِ اللَّه لَيْسَ إِلَّا التَّقْوَى وَالتَّقْوَى مِنْ صِفَاتِ الْقُلُوبِ

قَالَ ﵊: «التقوى هاهنا»

وَأَشَارَ إِلَى الْقَلْبِ،