Skip to content

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير الباب الرابع في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة

تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير

الفخر الرازي

Printed page ١/ ١٧٥

الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: التَّسْمِيَةُ مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ بخط القرآن، ألا ترى أنهم يمنعوا مِنْ كِتَابَةِ أَسَامِي السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ، وَمَنَعُوا مِنَ الْعَلَامَاتِ عَلَى الْأَعْشَارِ وَالْأَخْمَاسِ، وَالْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ أَنْ يَخْتَلِطَ بِالْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ لَمَا كَتَبُوهَا بِخَطِّ الْقُرْآنِ، ولما أجمعوا على كتبها بخط القرآن، ولما أجمعوا على كتبها بِخَطِّ الْقُرْآنِ عَلِمْنَا أَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ.

الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ وَالتَّسْمِيَةُ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، فَوَجَبَ جَعْلُهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا السَّبَبِ حَكَيْنَا أَنَّ يَعْلَى لَمَّا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بَقِيَ سَاكِتًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً مِنْ سُورَةِ/ الْفَاتِحَةِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْ تَنْزِيلِهَا إِظْهَارُ الْفَصْلِ بَيْنَ السُّورِ، وَهَذَانَ الدَّلِيلَانِ لَا يُبْطِلَانِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ.

الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ: أَطْبَقَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ سَبْعُ آيَاتٍ إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:

قَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ لَيْسَ بِآيَةٍ مِنْهَا، لَكِنَّ قَوْلَهُ صراط الذين أنعمت عليهم آية، وقوله غير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آيَةٌ أُخْرَى وَسَنُبَيِّنُ فِي مَسْأَلَةٍ مُفْرَدَةٍ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَرْجُوحٌ ضَعِيفٌ، فَحِينَئِذٍ يَبْقَى أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَكُونُ سَبْعًا إِلَّا إِذَا اعْتَقَدْنَا أَنَّ قَوْلَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا تَامَّةٌ.

الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ: أَنْ نَقُولَ: قِرَاءَةُ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ آيَةً مِنْهَا بَيَانُ الْأَوَّلِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُ أَنَّ قِرَاءَتَهَا أَفْضَلُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَهَا فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا قِرَاءَتُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّبِعُوهُ وإذا ثبت وجوب قرأتها ثَبَتَ أَنَّهَا مِنَ السُّورَةِ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.

الْحُجَّةُ الْعَاشِرَةُ:

قَوْلُهُ ﵇: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَجْذَمُ وَأَعْظَمُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الصَّلَاةُ،

فَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِيهَا بِدُونِ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ يُوجِبُ كَوْنَ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَتْرَاءَ، وَلَفْظُ الْأَبْتَرِ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ النُّقْصَانِ وَالْخَلَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لِلْكَافِرِ الَّذِي كَانَ عَدُوًّا لِلرَّسُولِ ﵇ فَقَالَ: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، [الْكَوْثَرِ: ٣] فَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ: الصَّلَاةُ الْخَالِيَةُ عَنْ قِرَاءَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَكُونُ فِي غَايَةِ النُّقْصَانِ وَالْخَلَلِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الخلل النقصان قَالَ بِفَسَادِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَأَنَّهُ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا.

الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَا

رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «ما أعظم آية في كتاب الله تعالى؟» فَقَالَ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ﵇ فِي قَوْلِهِ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ آيَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ آيَةً تَامَّةً فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [النمل: ٣٠] بَلْ هَذَا بَعْضُ آيَةٍ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ آيَةً تَامَّةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ قَالَ إِنَّهُ آيَةٌ تَامَّةٌ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةً يَجْهَرُ فِيهَا فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ/ وَلَمْ يَقْرَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ نَادَاهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ أَنَسِيتَ؟ أَيْنَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ