Skip to content

فتح القدير للشوكاني [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٨ إلى ٢١٠]

فتح القدير للشوكاني

الشوكاني

Printed page ١/ ٢٤٢

لِلْمُسَالَمَةِ، وَبِالْكَسْرِ لِلْإِسْلَامِ. وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّلْمُ بِفَتْحِ السِّينِ: الصُّلْحُ، وَتُكْسَرُ وَيُذَكُّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ الْكِنْدِيِّ:

دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمَّا ... رَأَيْتُهُمُ تولّوا مدبرينا

أَيْ: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ: «السَّلَمِ» بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ. وَقَدْ حَكَى الْبَصْرِيُّونَ فِي سِلْمٍ وسلم وسلّم أنها بمعنى واحد وكَافَّةً حَالٌ مِنَ الْسَلْمِ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّلْمِ شَيْءٌ، بَلِ ادْخُلُوا فِيهَا جَمِيعًا، أَيْ: فِي خِصَالِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: كَفَفْتُ، أَيْ: مَنَعْتُ، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ مِنْكُمْ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْكَفُّ: الْمَنْعُ، وَالْمُرَادُ هُنَا: الْجَمِيعُ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أَيْ: جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أَيْ: لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشَّيْطَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى خُطُوَاتٍ. قَوْلُهُ: زَلَلْتُمْ أَيْ:

تَنَحَّيْتُمْ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ، وَأَصْلُ الزَّلَلِ فِي الْقَدَمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ والآراء وغير ذلك، يقال:

زلّ يزلّ زللا وَزَلُولًا، أَيْ: دَحَضَتْ قَدَمُهُ. وَقُرِئَ: زَلَلْتُمْ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْمَعْنَى:

فَإِنْ ضَلَلْتُمْ وَعَرَجْتُمْ عَنِ الْحَقِّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أَيِ: الْحُجَجُ الْوَاضِحَةُ، وَالْبَرَاهِينُ الصَّحِيحَةُ، أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَقُّ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَالِبٌ لَا يُعْجِزُهُ الِانْتِقَامُ مِنْكُمْ حَكِيمٌ لَا يَنْتَقِمُ إِلَّا بِحَقٍّ. قَوْلُهُ: هَلْ يَنْظُرُونَ أَيْ: يَنْتَظِرُونَ، يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى، وَالْمُرَادُ: هَلْ يَنْتَظِرُ التَّارِكُونَ لِلدُّخُولِ فِي السِّلْمِ، وَالظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ، وَهِيَ مَا يُظِلُّكَ، وَقَرَأَ قَتَادَةُ، وَيَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ: فِي ظِلالٍ وَقَرَأَ يَزِيدُ أَيْضًا وَالْمَلَائِكَةِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ أَوْ عَلَى ظُلَلٍ. قَالَ الْأَخْفَشُ وَالْمَلَائِكَةِ بِالْخَفْضِ بِمَعْنَى: وَفِي الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَالرَّفْعُ أَجْوَدُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: التَّقْدِيرُ: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ.

وَالْمَعْنَى: هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَعَدَهُمْ مِنَ الْحِسَابِ وَالْعَذَابِ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ. قَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْإِتْيَانِ رَاجِعًا إِلَى الْجَزَاءِ، فَسُمِّيَ الْجَزَاءُ: إِتْيَانًا، كَمَا سُمِّيَ التَّخْوِيفُ وَالتَّعْذِيبُ فِي قِصَّةِ ثَمُودَ: إِتْيَانًا، فَقَالَ: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ «١» وقال في قصة بني النَّضِيرِ: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا «٢» وَإِنَّمَا احْتَمَلَ الْإِتْيَانُ هَذَا، لِأَنَّ أَصْلَهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ فَمَعْنَى الْآيَةِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ فِعْلًا مِنَ الْأَفْعَالِ مَعَ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ يَقْصِدُ إِلَى مُحَارَبَتِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى:

يَأْتِيهِمْ أَمْرُ اللَّهِ وَحُكْمُهُ وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: فِي ظُلَلٍ بِمَعْنَى بِظُلَلٍ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: يَأْتِيهِمْ بِبَأْسِهِ فِي ظُلَلٍ.

وَالْغَمَامُ: السَّحَابُ الرَّقِيقُ الْأَبْيَضُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمُّ، أَيْ: يَسْتُرُ. وَوَجْهُ إِتْيَانِ الْعَذَابِ فِي الْغَمَامِ- عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ- مَا فِي مَجِيءِ الْخَوْفِ مِنْ مَحَلِّ الْأَمْنِ مِنَ الْفَظَاعَةِ وَعِظَمِ الْمَوْقِعِ، لِأَنَّ الْغَمَامَ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، لَا مَظِنَّةَ الْعَذَابِ. وَقَوْلُهُ: وَقُضِيَ الْأَمْرُ عُطِفَ عَلَى يَأْتِيَهِمُ، دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الِانْتِظَارِ، وَإِنَّمَا عُدِلَ إِلَى صِيغَةِ الْمَاضِي دَلَالَةً عَلَى تَحَقُّقِهِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ كَانَ، أَوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَضْمُونَهَا وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، أَيْ: وَفَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ إِهْلَاكُهُمْ. وَقَرَأَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وقضاء الأمر بالمصدر