Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٧

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٢/ ١٦٠

ولو جاز أن يقالَ: إنّ القرآنَ نسَخ حكمَ رسول الله باليمين مع الشاهدِ، لجاز أن يُقالَ: إنّ القرآنَ في قوله ﷿: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفي قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ناسخٌ لنَهْيه ﷺ عن المُزَابَنة (١)، وبَيعْ الغَرَر (٢)، وبَيعْ ما لم يُخلَقْ، إلى سائرِ ما نهَى عنه في البيوع، ولجاز أن يقال: إنّ قولَ الله ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ناسخٌ لقول رسول الله ﷺ: "لا صدقةَ في الخيل والرقيق" (٣). وهذا لا يَسُوغُ لأحدٍ؛ لأنّ السنةَ مُبَيِّنةٌ للكتابِ زائدةٌ عليه ما أذِنَ الله لرسوله ﷺ في الحُكم به، ولو جازَ ذلك لارتفَعَ البيانُ، واللّهُ ﷿ يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].

واللّه ﷿ يفترِضُ في كتابه وعلى لسانِ رسولِه ما شاءَ، وقد أمَرَ اللهُ بطاعةِ رسولِه أمرًا مُطلقًا، وأخبَر أنّه لا ينطِقُ عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. وقال ﷺ: "أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٤). وقال ﷿: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قالوا: القرآنُ والسنةُ. ومن جِهَةِ القياسِ والنظرِ أنّا وجَدْنا اليمينَ أقوَى من المرأتَيْن؛ لأنّهما لا مدخَلَ لهما في اللِّعان، واليمينُ تدخُلُ في اللِّعان، ولمّا ثبَت أن يُحكَمَ بشهادةِ امرأَتَيْن ورجلٍ في الأموال، كان كذلك اليمينُ مع شهادةِ الرجل.