إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. فقال سعيد: إن كان عندَه مالٌ فكاتِبْه، وإن لم يكنْ عندَه مال، فلا تُعَلِّقْه صحيفة يغدُو بها على الناس ويروح، فيسألُهم فيحرِجُهم فيُؤثِمُهم. فقال الحسن: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: صدقًا وأمانة، مَن أعطاه كان مأجورًا، ومن سُئِل فرَدَّ خيرًا كان مأجورًا (١).
قال أبو عُمر: قد رخَّص مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، في مكاتبةِ مَن لا حِرفةَ له، وإن كان قد اختَلف قولُ مالكٍ في ذلك (٢). وكرِه الأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاق مكاتبةَ مَن لا حرفةَ له (٣)، ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عمر، وابنِ عمر، ومسروق (٤). والحجَّةُ في السُّنةِ لا فيما خالفَها.
وفي حديث بَريرَةَ هذا دلالةٌ على أنَّ قولَ الله ﷿: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. أنَّه الكسبُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَسألْ بَريرَة: أمعكِ مالٌ أم لا؟ ولم يَنهَها عن السؤال، وقد يكونُ الكسبُ بالمسألة، وقد قيل: المسألةُ آخِرُ كسبِ المؤمن (٥). وقد كُوتبَت بَريرَةُ ولم يُعلَمْ لها كسبٌ واجب، واللهُ أعلم، ولم ينكِرْه النبيُّ ﷺ.