التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
قال: فلما انصرَف رسولُ اللَّه ﷺ، فبأبي هو وأُمي، ما رأيتُ معلِّمًا قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليمًا منه، واللَّه ما ضرَبني، ولا كَهَرني (١)، ولا سَبَّني، ولكن قال: "إن صلاتَنا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هي للتَّسْبيح والتكبيرِ وتلاوةٍ للقُرآنِ".
قال: ثم اطَّلَعتُ غُنَيمةً لي تَرعاها جاريةٌ لي في ناحية أُحُد، فوجدْتُ الذئبَ قد أصاب منها شاةً، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يأسَفُون، فصَكَكتُها صَكّة، ثم انصرَفْتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرتُه، فعظَّمَ عليَّ. قال: فقلت: يا رسولَ اللَّه، فهلّا أُعتِقُها؟ قال: "ائتِني بها". قال: فجِئْتُ بها إلى رسولِ اللَّه ﷺ، فقال لها: "أين اللَّهُ؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "مَن أنا؟ ". فقالت: أنت رسولُ اللَّه. قال: "إنها مؤمنةٌ، فأعْتِقْها" (٢).
قال أبو عُمر: معاني هذا الحديث واضحةٌ يُستَغنَى عن الكلام فيها.
وأما قوله: "أينَ اللَّهُ؟ ". فقالت: في السماء. فعلى هذا أهلُ الحقِّ؛ لقول اللَّه ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]. ولقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. ولقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].