Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٥

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١٣/ ٢٧٣

ومن جهة النظر أيضًا، أن النكاحَ مفتقِرٌ إلى التصريح لتقَعَ الشهادةُ عليه، وهو ضِدُّ الطلاق، فكيف يُقاسُ عليه؟ وقد أجمَعوا أن النكاحَ لا ينعقِدُ بقوله: قد أربحتُ لكَ. و: قد أحلَلْتُ لكَ. فكذلك الهبةُ. وقال رسولُ اللَّه ﷺ: "استَحلَلتُم فروجَهنَّ بكلمةِ اللَّه" (١)؛ يعنى القرآن، وليس في القرآن عَقدُ النكاح بلفظِ الهبة، وإنما فيه التزويجُ والنكاحُ، وفي إجازة النكاح بلفظ الهبة إبطالُ بعض خصوصيةِ النبيِّ ﷺ، واللَّه أعلم.

وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: إجازةُ أخْذِ الأُجْرةِ على تعليم القرآن، وقد اختلَف في ذلك العلماء؛ فكرِهَه قومٌ؛ منهم أبو حنيفةَ وأصحابه، وأجازه آخرونَ؛ منهم مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَور، وأحمد (٢).

والحُجّةُ في جواز ذلك حديثُ هذا الباب، وحديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ، أنه بعَث سَرِيّةً فنزَلوا بحيٍّ، فسألوهم القِرَى أو الشِّراء، فلم يفعَلوا، فلُدِغ سيِّدُ الحيِّ، فقالوا لهم: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا، حتى تَجعلوا لنا على ذلك جُعْلًا. فجعَلوا لهم قطيعا من غنم، فأتاه رجلٌ منهم، فقرأ عليه "فاتحة الكتاب" فبرَأ، فذبَحوا وشوَوْا وأكلوا، فلما قدِموا على رسول اللَّه ﷺ ذكَروا ذلك له، فقال: "ومن أين علِمتَ أنها رُقْيةٌ؟ مَن أخَذ برُقيَة باطل فلقد أخَذتَ برُقيَة حقٍّ،