التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ورَوَى حَبيبٌ (١)، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهديَّةَ، ويثيبُ عليها. وهذا الحديثُ، وإنْ كان إسنادُه غيرَ صحيح؛ لتفَرُّدِ حَبيبٍ به عن مالكٍ، فإنّ قَبولَ رسول الله ﷺ الهدايا أشهَرُ وأعْرَفُ، وأكثرُ من أن تُحْصَى الآثارُ في ذلك، لكنّه كان ﷺ مخصوصًا بما أفاءَ الله عليه من غير قتالٍ من أموالِ الكُفَّار، أنْ يكونَ له خاصَّةً دونَ سائرِ الناس، ومَنْ بعدَه من الأئمَّةِ حُكْمُه في ذلك خلافُ حُكْمِه؛ لأنّ ذلك لا يكونُ له خاصةً دونَ المسلمين بإجماعٍ، لأنّه فَيْءٌ، وفي حديث أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ في قصَّةِ ابنِ اللُّتْبِيَّةِ (٢) ما يَدُلُّ على أنّ العامِلَ لا يجوزُ له أنْ يَسْتَأْثِرَ بهدِيَّةٍ أُهْدِيَتْ إليه بسَببِ ولايَتِه، لأنّها للمسلمين.
حدَّثنا سعيدُ بن نَصر (٣)، قال حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٤): حدَّثنا سفيانُ بن عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أبي حميدٍ السَّاعديِّ، قال: استعملَ رسولُ الله ﷺ رَجُلًا من الأزْدِ يقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّة. فلمّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ. فقامَ النبيُّ ﷺ على المنبَر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، وقال: "ما بالُ عاملٍ أبعثُه، فيقولُ: هذا لكم، وهذا أُهدِيَ إليَّ، أفلا قعَد في بيت أبيه، أو بيتِ أُمِّه، حتى ينظُرَ أيُهْدَى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيَدِه، لا ينالُ أحدٌ منكم شيئًا