التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
يحيى بن سعِيدٍ، عن أبي صالح، عن رَجُلٍ من بني أسَدٍ، عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ: "إنَّ من أشدِّ أمَّتي حُبًّا لي، قومًا يأتُونَ من بَعدِي، يَوَدُّ أحدُهُم لو يُعْطِي مالهُ وأهلهُ ويَرانِي" (١).
قال أبو عُمر: قد عارَضَ قومٌ هذه الأحادِيث، بما جاءَ عنهُ ﷺ: "خيرُ النّاسِ قرني، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ الذين يلُونهُم" (٢). وهُو حدِيثٌ حسنُ المخرج، جيِّدُ الإسنادِ.
وليسَ ذلك عِندِي بمُعارضٍ، لأنَّ قولهُ ﷺ: "خيرُ النّاسِ قَرْني". ليس على عُمُومِهِ، بدليلِ ما يجمعُ القَرْنُ من الفاضِلِ والمفضُولِ، وقد جمعَ قرنُهُ مع السّابِقِين من المُهاجِرِين والأنصارِ، جماعةً من المُنافِقِينَ، المُظهِرِينَ للإيمانِ، وأهل الكبائرِ، الذين أقامَ عليهم، أو على بَعضِهِمُ الحُدُود، وقال لهُم: "ما تقُولُونَ في الشّارِبِ، والسّارِقِ، والزّاني؟ " (٣). وقال مُواجهةً لمن هُو في قَرْنِهِ: "لا تسُبُّوا أصْحابِي، فلو أنفَقَ أحدُكُم مِثل أُحُدٍ ذَهَبًا، ما بلغ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصيفهُ (٤) " (٥).