التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
قالوا: ففي قوله: "تُستأمَرُ اليَتيمةُ" دليلٌ على أنَّ غيرَ اليَتِيمةِ لا تُستأمَرُ، وهي ذاتُ الأبِ، إذا كانت بكرًا، بدليل قوله ﷺ: "الثَّيِّبُ أحقُّ بنَفسِها".
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثَّوريُّ والأوزاعيُّ والحسن بن حيٍّ وأبو ثورٍ وأبو عُبيد: لا يجُوزُ للأبِ أن يزوِّج البالغَ من بناتهِ، بكرًا كانت أو ثيِّبًا، إلّا بإذنها (١).
ومن حُجَّتهم قولُه ﷺ: "الأيِّم أحقُّ بنفسِها". قالوا: والأيِّم هي التي لا بعلَ لها، وقد تكون ثيِّبًا وبكرًا، فكلُّ أيِّم على هذا، إلّا ما خصَّته السُّنَّة، ولم تخُصَّ من ذلك إلّا الصَّغيرةَ، وَحْدهُ يُزوِّجها أبوها بغيرِ إذنها؛ لأنه لا إذنَ لمثلها.
وقد ثبتَ أنَّ أبا بكر الصِّديق ﵁ زوَّجَ عائشة ابنتَهُ من رسُولِ الله ﷺ وهي صغيرةٌ لا أمرَ لها في نفْسِها (٢)، فخرجَ الصِّغار من النِّساء بهذا الدَّليل.
وقالوا (٣): الوليُّ هاهنا كلُّ وليٍّ، أبٍ وغير أبٍ، وهو حقُّ الكلام أن يُحمل (٤) على ظاهرهِ وعُمومهِ، ما لم يرد ما يخُصُّه ويُخرجهُ عن ظاهرهِ.
واحتَجُّوا أيضًا بقوله ﷺ: "لا تُنكح البكرُ حتَّى تُستأذنَ" (٥). قالوا: فهذا على عُمومهِ في كلِّ بكرٍ، إلّا الصَّغيرة ذات الأبِ، بدليلِ قِصَّة عائشة ﵂، وإجماعِهِم على أنَّ ذلك صحيحٌ عنه ﷺ.
واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ ابن عبّاسٍ: أنَّ رجلًا زوَّجَ ابنتَه، وهي بكرٌ، فأبَتْ وجاءت النَّبيَّ ﷺ: فرَدَّ نكاحَها.