التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
المسجدَ فيُحيِّيهِ بركعتينِ، ثُمَّ يجلِسُ ويقولُ: ما أُبالِي صلَّيتُ، أو قعدتُ مُنتظِرًا للصَّلاةِ.
وهذا، واللهُ أعلمُ، إذا كان المُنتظِرُ للصَّلاةِ، لا يحبِسُهُ في المسجدِ إلّا انتِظارُها، ولا يخلِطُ بنِيَّتِهِ سِواها، ويحتاجُ مع ذلك أن لا يَلْغُوَ ولا يلهُوَ، فحِينئذٍ يُرجَى لهٌ بما ذكَرْنا.
وقد نزعَ عبدُ الله بن سلام في مُعارَضتِهِ أبا هريرةَ، حِينَ قال لهُ في السّاعةِ التي في يوم الجُمُعةِ: هي آخِرُ ساعَةٍ من النَّهارِ. فقال أبو هريرةَ: كيفَ يكونُ ذلك وقد قال رسُولُ الله ﷺ: "إنَّ ذلك ليسَ بوَقْتِ صلاةٍ". وقال في السّاعةِ التي في يوم الجُمُعةِ: "لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلِمٌ وهُو يُصلِّي". فقال لهُ عبدُ الله بن سَلَام: أليسَ قد قال ﷺ: "إنَّ أحدكُم في صَلاةٍ، ما كان ينتظِرُ الصَّلاةَ"؟ قال: نعم. قال: فهُو ذاك (١). فسكتَ أبو هريرةَ وسلَّمَ لمّا أخذتهُ (٢) الحُجَّةُ، وهكذا أهلُ الإنصافِ، واللهُ المُستعانُ.
وقد قيلَ: إنَّ مُنتظِرَ الصَّلاةِ في المسجدِ، وإن لَغا ولها، فإنَّهُ على أصلِ نِيَّتهِ وعَملِهِ.
وسنذكُرُ بعدَ هذا البابِ، قولَهُ ﷺ: "الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكُم، ما دامَ في مُصلّاهُ، ما لم يُحدِث". وما ذهب إليه مالكٌ وغيرُهُ في ذلك إن شاءَ الله.
وقد قيلَ: إنَّ مُنتظِرَ الصَّلاةِ، وإن كُتِبَ لهُ أجرُ المُصلِّي، فالمُصلِّي أفضلُ منهُ، كما أنَّ بعضَ (٣) الشُّهداءِ أفضلُ من بعضٍ، وكلُّهُم يُسمَّى شهِيدًا، ومن