التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ادَّعى ذلك، فعليه البيِّنةُ، وأمّا من أقرَّ بالعِوَضِ، فقد أقرَّ باليسارِ، فإنِ ادَّعَى الفقر، لم يُقبَل منهُ بغيرِ بيِّنةٍ، ومطلُهُ ومُدافعتُهُ ظُلمٌ، وأمّا إذا صحَّ يَسارُهُ، وامتنعَ من أداءِ ما وجبَ عليه، فحَبسُهُ واجِبٌ، لأنَّهُ ظالِمٌ بإجماع، قال اللهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢].
وهذا حديثٌ غرِيبٌ لا يجِيءُ إلّا بهذا الإسنادِ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن شُعبةَ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ يَتَقاضاهُ، فأغلَظَ لهُ، فهمَّ به أصحابُهُ، فقال رسُولُ الله ﷺ: "دَعُوهُ، فإنَّ لصاحِبِ الحقِّ مَقالًا" (١).
وأمّا قولُهُ: "وإذا أُتبِعَ أحدُكُم على مليءٍ، فليَتْبعَ". فمعناهُ الحَوَالةُ، يقولُ: وإذا أُحِيلَ أحدُكُم على مليءٍ فليتبعهُ.
وهذا يُبيِّنُهُ (٢) ويرفعُ الإشكالَ فيه: حديثُ يُونُس بنِ عُبيدٍ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلمٌ، وإذا أُحِلتَ على مليءٍ فاتْبَعْهُ" (٣).
وهذا عِندَ أكثرِ الفُقهاءِ ندبٌ وإرشادٌ لا إيجابٌ، وهُو عِندَ أهلِ الظّاهِرِ واجِبٌ، فقال ابنُ وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن تَفسِيرِ حديثِ رسُولِ الله ﷺ: "من