التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
مَسْكنةً من الطَّوّافِ، وهُو الذي لا يجِدُ غِنًى، ولا يسألُ، ولا يُفطَنُ لهُ فيُتصدَّق عليه.
هذا وجهُ قولِهِ ﷺ: "ليس المِسكِينُ بالطَّوّافِ". لا وجهَ لهُ غيرُ ذلك؛ لأنَّهُ معلُومٌ أنَّ الطَّوّافَ مِسكِينٌ، وذلك موجُودٌ في الآثارِ، ومعرُوفٌ في اللُّغةِ، ألا ترى إلى قولِهِ ﷺ: "رُدُّوا المِسكِينَ ولو بظِلفٍ مُحْرَقٍ". هكذا رواهُ مالكٌ (١)، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عنِ ابنِ بُجيدٍ، عن جَدَّتِهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ.
وقولُ عائشةَ: إنَّ المِسكِينَ ليَقِفُ على بابي. . . الحَدِيثَ (٢). فقد سَمَّتهُ مِسكِينًا، وهُو طوّافٌ على الأبوابِ، وقد جعلَ اللَّهُ ﷿ الصَّدقاتِ للفُقراءِ والمساكِينِ.
وأجمعُوا أنَّ السّائلَ الطَّوّافَ المُحتاجَ: مِسكِينٌ، وفي هذا كلِّهِ ما يدُلُّك على ما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.
واختلَفَ العُلماءُ وأهلُ اللُّغةِ في المِسكِينِ والفَقِيرِ، فقال منهُم قائلونَ: الفقِيرُ أحسنُ حالًا من المِسكِينِ. قالوا: والفقِيرُ: الذي لهُ بَعضُ ما يُقِيمُهُ ويكفيه (٣)، والمِسكِينُ الذي لا شيءَ لهُ، واحتجُّوا بقولِ الرّاعِي (٤):
أمّا الفَقِيرُ الذي كانت حَلُوبتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فلم يُترَكْ لهُ سبَدُ
قالوا: ألا ترى أنَّهُ قد أخبَر أنَّ لهذا الفقِيرِ حَلُوبةً.