التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
حَلائلهُم على آبائهِم، فليسَ كما ظنَّ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنَّما نزلَتْ في حَلائلِ الأبناءِ من الأصلابِ، نفيًا للذينِ تَبنَّوا، ولم يكونُوا أبناءً، مِثل زيدِ بن حارِثةَ، إذ تبنّاهُ رسُولُ اللَّه ﷺ، وكان يُدعَى: زيد بن محمدٍ، حتّى نَزَلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ثُمَّ نكحَ رسُولُ اللَّه ﷺ امرأتهُ، بعدَ أن قَضَى زيدٌ منها وَطَرهُ وطلَّقها، فمعنى قولِهِ: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ يُريدُ غير المُتَبنَّينَ.
وأمّا الرَّضاعةُ فلا، ألا تَرى إلى قولِ اللَّه ﷿: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] بعد قولِهِ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، أنَّهُ قد دخلَ فيه بإجماع المُسلِمينَ: الأُختانِ من الرَّضاعةِ، لِما بيَّنهُ رسُولُ اللَّه ﷺ في الرَّضاعةِ أنَّها تُحرِّمُ ما يُحرِّمُ النَّسبُ، فلو تزوَّجَ رجُل صَبِيَّتينِ رَضِيعتينِ، فجاءَتِ امرأةٌ، فأرْضَعتهُما، صارتا أُختَينِ بالرَّضاع، وحُرِّمتا عليه، واستأنفَ نِكاحَ أيَّتِهِما شاءَ.
فقِفْ على الأصلِ في هذا البابِ، وفي كلِّ بابٍ، تَعرِف به وجهَ الصَّوابِ.