Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٣٨

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٩/ ١٨٨

محمدُ بن المُثنَّى. قالوا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ (١) أبي وائل، عن مسرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: ما ترَكَ رسُولُ الله ﷺ دينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بَعِيرًا، ولا أوْصَى بشيءٍ.

قال أبو عُمر: أمّا تَرْكُهُ ﷺ الوصيَّةَ، ونَدْبُهُ أُمّتَه إليها، فإنَّهُ ﷺ ليسَ كأحدٍ من أُمَّتِهِ في هذا؛ لأنَّ ما تَخلَّفَهُ هُو فصَدَقةٌ، قال ﷺ: "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" (٢). وإذا كان ما يُخلِّفُهُ صَدَقةً، فكيفَ يُوصِي منهُ بثُلثٍ؟ أو كيفَ يُشَبَّهُ في ذلك بغير، وغيرُهُ لا تجُوزُ لهُ الوصيَّةُ، خاصَّةً وما تخلَّفَهُ هُو ﷺ بعدَ فصدقةٌ كلُّهُ، على ما قال ﷺ؟

ووجهٌ آخرُ، وهُو قولُ الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، والخيرُ هاهُنا: المالُ، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم في ذلكَ، ومِثلُ قولِهِ ﷿: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقولِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. وقولِه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]. وقولِه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٣) [النور: ٣٣]. الخيرُ في هذه الآياتِ كلِّها: المالُ، وكذلك قولُهُ ﷿ حاكيًا عن شُعيبِ ﷺ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]، يعني الغِنَى.

ورسُولُ الله ﷺ لم يترُك دينارًا ولا دِرهمًا، ولا بعيرًا ولا شاةً، وقال: "ما ترَكتُ بعدي صَدَقةٌ" (٤)، وقال: "إنّا مَعْشَر الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ". وقد مَضَى تفسيرُ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.