التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
على أصلِهِ. وقد قال: لو أعتقَ الثّاني، كان عِتقُهُ باطِلًا. وفي ذلك دليلٌ على زَوالِ مِلكِهِ؛ لأَنَّهُ لو كان مِلكُهُ ثابتًا، لنفَذَ عِتقُهُ.
وتحصيلُ مذهبِ الشّافِعيِّ، ما قالهُ في الجديدِ: أَنَّهُ إذا كان المُعتِقُ لِحِصَّتِهِ من العبدِ مُوسِرًا، عتَقَ جميعُهُ حينَ أعتَقهُ، وهُو حُرٌّ من يَومِئذٍ، ويُورَثُ، ولهُ ولاؤُهُ، ولا سبيلَ للشَّريكِ على العَبْدِ، وعليه قيمَةُ نصيبِ شَريكِهِ، كما لو قتَلهُ، وجُعل عِتقُهُ إتلافًا. هذا كلُّهُ إن كان مُوسِرًا في حينِ العِتْقِ للشِّقصِ، وسَواءٌ أعطاهُ القِيمَةَ، أو مَنعهُ، وإن كان مُعسِرًا، فالشَّريكُ على مِلْكِهِ، يُقاسمُهُ كَسْبَهُ، أو يَخْدِمُهُ يومًا، ويُخلي لنَفْسِهِ يومًا، ولا سعايةَ عليه (١).
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى قولِ الشّافِعيِّ هذا: قولُ رسُولِ الله ﷺ في حديثِ أيُّوب، عن نافع، عن ابن عُمرَ: "من أعتقَ نَصِيبًا لهُ في عبدٍ، فإن كان لهُ مالٌ يبلُغُ ثَمنهُ بقيمةِ عَدْل، فهُو عَتِيقٌ" (٢). وحديثُ ابن أبي ذِئبٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "من أعتقَ شِرْكًا في مملُوكٍ، وكان للذي يُعتِقُ نصيبُهُ ما يبلُغُ ثَمنهُ، فهُو يعتِقُ كلُّهُ" (٣). ومنهُم من يقولُ: عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ: "من أعتقَ شِقْصًا لهُ في عبدٍ، ضمِنَ لشريكِهِ في مالِهِ، إن كان لهُ مالٌ".
قالوا: فقولُهُ ﷺ: "فهُو يعتِقُ كلُّهُ"، وقولُهُ: "فهُو عتيق"، يُوجِبُ أن يكونَ عتيقًا كلُّهُ في وَقْتِ وُقُوع العِتْقِ، ولا يُنتَظرُ به قَضاءٌ ولا تقويمٌ، إذا كان المُعتِقُ مُوسِرًا، لتثبُت لهُ حُرمةُ الحُرِّيَّةِ من ساعتِهِ في جميع أحكامِهِ، اتِّباعًا للسُّنَّةِ في ذلك؛ لأَنَّهُ معلُومٌ أنَّ التَّقويمَ والحُكمَ به إنَّما هُو تنفيذٌ لِما قد وجبَ بالعِتقِ في حينِهِ.