Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٣١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٩/ ٩٧

قال: لا، قال: لا أقُولُ مِثلَ ما قُلتَ، هل تعلمُونَ أحدًا يعلمُ الغيبَ إلّا الله، ويُبرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ، ويخلُقُ إلّا الله؟ قالوا: لا. قال: هذا ابْنُهُ، عَلَّمهُ من خَلائقِهِ ما شاءَ، ثُمَّ بَدا لهُ أن يرفَعهُ إليه، فرفعهُ. قال الثّالِثُ: هل عندَكُما شيءٌ غيرُ هذا؟ قالا: لا. قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُما، ولكِن هل تعلمُونَ أحدًا خُلِقَ من غيرِ نُطفةٍ إلّا آدم؟ قالوا: لا. قال: فإنَّهُ لُغيَّةٌ (١). فقامَ الشّابُّ فقال: هل عندَكُم غيرُ هذا؟ قالوا: لا، قال: فإنِّي لا أقُولُ كما قلتُم، وأشهدُ، ما هُو باللّه، ولا ولَدِ الله، ولا لُغيَّةٍ، ولكِن رُوحُ الله، وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فقال لهُ: كُنْ، فكان (٢). ثُمَّ خَرجُوا على قَومِهِم وهُم جُلُوسٌ، فقالوا: ماذا قلتُم؟ فقال الكبيرُ: قلتُ: هُو الله. فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو ولدُ الله، فاتَّبعتهُ (٣) فِرْقةٌ. ثُمَّ قال الآخرُ: هُو لغيَّةٌ، فاتَّبعتهُ فِرْقةٌ. وقال الآخرُ: هُو عبدُ الله ورُوحُهُ، وكلِمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، فاتَّبعتهُ فِرقةٌ. فقالوا: كيفَ نعيشُ وهذا معنا؟ فاقتُلُوهُ، فقُتِلَ الفَتَى ومَنْ مَعهُ.

قال: فلِذلكَ قال اللهُ ﷿: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]. فهؤُلاءِ الذين قالوا: هُو لغيَّةٌ، قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] فهذا الشّابُّ وأصحابُهُ الأُمَّةُ المُقتصِدةُ.