التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
وأمّا مَعانيهِ، فإنَّ فيه من الفِقهِ: إرسالَ (١) السَّرايا إلى أرضِ العدُوِّ، وذلك عندَ أهلِ العِلْم مردُودٌ إلى إذْنِ الإمام واجْتِهادِهِ، على قَدْرِ ما يعلمُ من قُوَّةِ العَدُوِّ وضعفِهِ.
وفيه: أنَّ ما يَحصُلُ عليه المُسلِمُون ويُفيدُونَهُ من أموالِ العدُوِّ، يُسمَّى غَنِيمةً، وفي هذا ومِثلِهِ قال الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١].
وفيه: أنَّ ما غَنِمهُ المُسلِمُونَ من أموالِ المُشْرِكينَ يُقْسَمُ بينهُم بعدَ إخراج خُمُسِهِ سُهمانًا، وما حصَلَ من ذلك بأيديهِم، فهُو مالٌ من أموالِهم، من أطْيَبِ كسبِهِم، إذا سلِمَ من الغُلُولِ، وأُخرِجَ خُمُسِه (٢).
وفي قولِ الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دليلٌ على أنَّ أربعةَ أخْماسِ الغَنائم لأهْلِها الغانِمين لها، والمُوجِفينَ (٣) عليها بالخيلِ (٤) والرِّكاب والرَّجْلِ، لأنَّ الله ﷿ لمّا أضافَ الغَنِيمةَ إليهم بقولِهِ: ﴿غَنِمْتُمْ﴾، وأخبَرَ أنَّ الخُمسَ خارِجٌ عنهُم لمن سَمَّى في الآيةِ، علِمَ العُلماءُ استِدلالًا ونَظَرًا صحيحًا، أنَّ الأربعةَ الأخْماسِ المسكُوتِ عنها لهم، وأنَّها (٥) مقسُومةٌ بينهُم، وهذا ما لا خِلافَ فيه، ألا ترَى إلى قولِ الله ﷿: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] فلمّا جعَلَ الأبوَينِ الوارثينِ، وأخبَرَ أنَّ للأُمِّ الثُّلُث، اسْتَغْنى عن أن يقول: وللأبِ الثُّلُثانِ.