التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
قال أبو عُمرَ: قد أكثَرَ الشّافِعيُّون في بُطلانِ ما اعتلَّ به المالكيُّون والحَنَفيُّونَ في هذه المسألةِ، فمِن جُملةِ ذلك، أنَّهُم قالوا: لا حُجَّةَ فيما نزَعَ به المُخالِفُ من قولِ الله ﷿: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة:١]، لأنَّ هذا عُمُومٌ، تَعْترِضُهُ ضُرُوبٌ من التَّخصيصِ، وإنَّما (١) يجِبُ أن يُوفِّي به من العُقُودِ، ما كان عَقْدًا صحيحًا في الكِتابِ والسُّنَّةِ، أو في أحَدِهِما، وما لم يَكُن كذلكَ، فليسَ يجِبُ الوَفاءُ به، ألا ترَى أنَّهُما لو عقَدا بيعًا في الطَّعام قبلَ أن يُسْتَوفى، أو عقَدا بيعًا على شيءٍ من الرِّبا، أو على شيءٍ من البُيُوع المنهيِّ عنها المكرُوهةِ التي ورَدَتِ السُّنة بإبطالهِا، هل كان يجِبُ الوَفاءُ بشيءٍ من ذلك؟ قال ﷺ: "كلُّ عَملٍ ليسَ عليه (٢) أمرُنا فهُو رَدٌّ" (٣). و: "لا طاعَةَ إلّا في المعرُوفِ" (٤).
وأمّا ما اعتلُّوا به من ظواهِرِ الآثارِ، فغيرُ لازِم، لأنَّ البيعَ لا يتمُّ إلّا بالافْتِراقِ، فلا وجهَ لِما قالُوه.
وأمّا اعْتِلالُهُم بقولِهِ ﷺ في حديثِ عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: "ولا يحِلُّ لهُ أن يُفارِقهُ خَشْيةَ أن يَسْتقيله" (٥). فإنَّ هذا معناهُ، إن صحَّ، على النَّدبِ، بدليلِ قولِهِ ﷺ: "من أقالَ مُسلِمًا، أقال الله عَثْرَتهُ" (٦). وبِإجماع المُسلِمينَ