Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٨/ ٦٨

قال أبو عُمر: قد كانتِ البيعةُ على وُجُوهٍ:

منها: أنَّها كانت أوَّلًا على القِتالِ، وعلى أن يَمْنعُوهُ مِمّا يمنعُونَ منهُ أنفُسهُم وأبناءَهُم ونِساءَهُم، وعلى نحوِ ذلك كانت بَيْعةُ العَقَبةِ الثّانيةُ قبلَ الهِجْرةِ.

ثُمَّ لمّا هاجَرَ رسُولُ الله ﷺ إلى المدينةِ، بايعَ النّاسَ على الهِجْرةِ، وقال: "أنا بَرِيءٌ من كلِّ مُسْلم مع مُشرِك" (١)، فكان على النّاسِ فرضًا أن يَنْتقِلُوا إلى المدينةِ، إذ لم يكُن للإسلام دارٌ (٢) ذلكَ الوقتَ غيرَها، ويَدَعُوا دارَ الكُفرِ.

وعلى هذا، واللهُ أعلمُ، كانت بيعةُ هذا الأعرابيِّ المذكُورِ في هذا الحديثِ على (٣) الإسلام والهِجرةِ، فلمّا لحِقهُ من الوَعْكِ ما لحِقهُ، تَشاءَم بالمدينةِ وخرجَ عنها، مُنصرِفًا إلى وَطنِهِ من أهلِ الكُفرِ، ولم يَكُن مِمَّن رسخَ الإيمانُ في قلبِهِ، ورُبَّما كان من جِنْس الأعرابِ الذين قال الله ﷿ فيهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].

ولمّا فُتِحت مكّةُ، لم يُبايعْ رَسُولُ الله ﷺ أحدًا على الهِجْرةِ، وإنَّما كانتِ البَيْعةُ على الإقامَةِ بدارِ الهِجْرةِ قبلَ أن يفتحَ الله على رسُولِهِ مكّةَ.

وكان المعنى في البَيْعةِ على الهِجْرةِ: الإقامةُ بدارِ الهِجْرةِ، وهي المدينةُ، عندَ (٤) رسُولِ الله ﷺ في حَياتِهِ، حتَّى يَصْرِفَهُم فيما يحتاجُ إليه من غَزْوِ الكُفّارِ، وحِفْظِ المدينةِ، وسائرِ ما يُحتاجُ إليه.