Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٨

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٧/ ٤٥٤

وقال النَّسائيُّ (١): من قال في هذا الحديثِ: عن ابن عُيينةَ أو غيرِهِ، عن طلحةَ بن يحيى: "كُنتُ أردتُ الصَّومَ، ولكنْ أصُومُ يومًا مكانهُ"، فقد أخطأ. قال: وقد رواهُ جماعةٌ عن طَلْحةَ بن يحيى، فلم يذكُر أحدٌ منهُم: "ولكن أصُومُ يومًا مكانهُ".

قال أبو عُمر: طَلْحةُ بن يحيى انفردَ بهذا الحديثِ، وما انفردَ به فليسَ بحُجَّةٍ عندَ جميعِهِم، لضعفِهِ.

ومن حُجَّةِ مالكٍ، ومن قال بقولِهِ في إيجابِ القَضاءِ على المُتطوِّع إذا أفسَدَ صومهُ عامِدًا، مع حديثِ ابن شِهاب في قِصَّةِ عائشةَ وحفصةَ المذكُورِ في هذا البابِ، قولُ الله ﷿: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وقولُهُ ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. وليسَ من أفطَرَ عامِدًا بعد دُخُولِهِ في الصَّوم، بمُعظِّم لِحُرمةِ الصَّوم، وقد أبطَلَ عملَهُ الذي أمرَ الله بتمامِهِ ونهاهُ عن إبطالِهِ، والنَّهيُ عن الشَّيءِ يَقْتضِي الأمرَ بضِدِّهِ، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهذا يَقْتضِي عُمُومَهُ الفرضَ والنَّفلَ، كما قال ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

وقد أجمعُوا على أنَّ المُفسِدَ لحَجّةِ التَّطوُّع، أو عُمْرتِهِ: أنَّ عليه القضاءَ. فالقِياسُ على هذا الإجماع - إيجابَ القضاءِ على مُفسِدِ صَوْمِهِ عامِدًا - قِياسٌ صحِيحٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إذا دُعِي أحدُكُم إلى طَعام فليُجِبْ، فإن كان مُفطِرًا فليأكُل" (٢)، ورُوِي: "فإن شاءَ أكلَ، وإن كان صائمًا فليَدْعُ"، ورُوِي: "فليُصلِّ"، يُرِيدُ: فليَدْعُ، ورُوِي في هذا الحديثِ أيضًا: "وإن كان صائمًا فلا يأكُل".