التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
قال أبو عُمر: أُميَّةُ بن عبدِ الله بن خالدِ بن أسِيدٍ، كان عامِلًا لعبدِ الملكِ بن مروانَ على خُراسانَ، ولهُ إخوةٌ كثيرةٌ، ذكرهُم أهلُ النَّسبِ، ومن أعمامِهِ من يُسمَّى أُميَّةَ بن خالدٍ، ولخِالدِ بن أسِيدٍ جدِّهِ بنُونَ كثيرٌ أيضًا، أسنُّهُم عبدُ الرَّحمنِ بن خالدٍ.
في هذا الحديثِ من الفِقهِ: أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفرِ من غيرِ خوفٍ، سُنَّةٌ لا فَرِيضةٌ، لأنَّها لا ذِكرَ لها في القُرآنِ، وإنَّما القَصْرُ المذكُورُ في القُرآنِ إذا كان سفَرًا، وخوفًا، واجتمعا جميعًا، قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فلم يُبحِ القَصْرُ إلّا مع هذينِ الشَّرطَيْنِ.
ومِثلُهُ في القُرآنِ، قولُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني الحَرائِرَ ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ .... ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فلم يُبح نِكاحُ الإماءِ، إلّا بعدَم الطَّولِ إلى الحُرَّةِ، وخَوْفِ العَنَتِ جميعًا.
ثُمَّ قال ﷿: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فأتِمُّوا الصَّلاةَ، فَهذه صلاةُ الحَضَرِ.
وقد تقدَّمت صلاةُ الخَوْفِ (١) مع السَّفرِ، وقد نَصَّ عليهما جميعًا القُرآنُ، وقَصَرَ رسُولُ الله ﷺ الصَّلاةَ من أربع، إلى اثنتينِ، إلّا المغرِبَ، في أسفارِه كلِّها، آمنًا لا يخافُ إلّا الله تعالى، فكان ذلكَ منهُ سُنّةً مسنُونةً ﷺ، زيادةً منهُ في أحكام الله، كسائرِ ما سنَّهُ وبَيَّنهُ، مِمّا ليسَ لهُ في القُرآنِ ذِكرٌ، مِمّا لو ذكَرْنا بعضهُ، لطالَ