Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٦/ ١٣٤

واختلفوا في الزيتِ تقَعُ فيه الميتةُ، بعدَ إجماعِهم على نجاسَتِه، هل يُسْتَصْبَحُ به، وهل يُباعُ ويُنتَفَعُ به في غيرِ الأكْلِ؟ فقالت طائِفَةٌ من العلماء: لا يُسْتَصْبَحُ به، ولا يُبَاعُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه. وممن قال ذلك منهم؛ الحسنُ بنُ صالح، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (١). ومن حُجَّةِ من ذهب هذا المذهبَ قولُه ﷺ في السمنِ تقَعُ فيه الفأرَةُ: "خُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائعًا فلا تقرَبُوه". قالوا: فلما أمَرَ بإلقاء الجامِدِ، وحَكَم له بحكم الفأر الميِّتة، وجب أن يُلْقَى أبدًا، ولا يُنتَفَعَ به في شيءٍ، كما لا يُنتَفَعُ بالفأرَةِ، ولو كان بينَهما فَرْقٌ لَبيَّنه رسولُ الله ﷺ، ولما أمَرَ بإلقاء شيءٍ يُمكنُ الانتفاعُ به. قالوا: وكذلك المائِعُ يُلْقَى أيضًا كلُّه، ولا يُقْرَبُ، ولا يُنتَفَعُ بشيءٍ منه، هذا لو لم يكن في المائِع نَصٌّ، فكيف وقد قال عبدُ الرزاقِ في هذا الحديثِ: "وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبُوه" (٢)؟

واحتَجُّوا أيضًا بعُمُوم تحريم الميْتَة في الكتابِ والسنةِ، فمِن ذلك ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، قال: قال عطاءُ بنُ أبي رباح: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدٍ الله يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح بمكةَ: "إنَّ اللهَ ورسولَه حرَّمَ بيعَ الخمرِ، والميْتَةِ، والخنزيرِ والأصنام"، قيل له: يا رسولَ الله، أرأيْتَ شحومَ الميْتَةِ، فإنه يُدْهَنُ بها السُّفُنُ والجلُودُ، ويَسْتَصْبحُ بها