Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ١

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ١/ ٣٣٠

على مُخالَفتِه، وأخبَر أنّه يهدي إلى صراطِه. وبَسْطُ القولِ في هذا موجودٌ في كُتبِ الأُصول، وليس في هذه الآية دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلّا ما ذُكِرَ فيها، وإنّما فيها أنَّ اللَّهَ أخبَر نبيَّه ﷺ وأمَره أنْ يُخبِرَ عبادَه أنّه لم يَجِدْ في القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على الآكل والشَّارب إلّا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللَّهُ في كتابِه بعدَ ذلك، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ أشياءَ سوَى ما في هذه الآية.

وقد (١) أجمَعوا أنَّ سورةَ "الأنعام" مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ (٢)، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ في "المائدة" بعدَ ذلك، وقد حرَّم اللَّهُ على لسانِ نبيِّه ﵇ أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وغيرَ ذلك، فكان ذلك زيادةَ حُكم من اللَّه على لسانِ نبيِّه ﷺ، كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وعلى خالتِها مع قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وكحُكْمِه بالشاهدِ واليمين مع قول اللَّه: ﴿فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالة، ألَا ترَى أنَّ اللَّهَ قال في كتابه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقد حرَّم رسولُ اللَّه ﷺ أشياءَ من البيوع وإنْ تراضَى بها المتبايعان؛ كالمُزابنة (٣)، وبيع ما ليس عندَك، وكالتجارة في الخمر، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذكرُه.

وقد أجمعَ العلماءُ أن سورة "الأنعام" مكيةٌ إلا قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآياتِ الثلاثَ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. وأجمَعوا أنَّ نهيَ اللَّه ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع إنما كان منه بالمدينة,