التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
فقال رسولُ الله ﷺ: "يا فُدَيْكُ، أقِم الصلاةَ، وآتِ الزكاةَ، واهْجُرِ السُّوءَ، واسْكُنْ مِن أرضِ قومِكَ حيثُ شِئْتَ، تكنْ مُهَاجِرًا".
وقال الحكمُ بنُ عُتَيبةَ: أفْضَلُ الجهادِ والهجرةِ كلمةُ عدلٍ عندَ إمام جائرٍ.
وقد قيل: إنَّه لم تكنْ هجرةٌ مُفْتَرضةٌ بالجملةِ على أحدٍ إلَّا على أهلِ مكةَ، فإنَّ اللهَ ﷿ افْترَض عليهم الهِجْرَةَ إلى نبيِّهم ﷺ حتى فَتح عليه مكةَ، فقال حينَئِذٍ: "لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ". فمَضَتِ الهِجرةُ على أهلِ مكةَ، لكن (١) مَن كان مهاجِرًا لم يَجزْ له الرُّجوعُ إلى مكةَ واسْتِيطانُها وتركُ رسولِ الله ﷺ، بل افْتُرِض عليهم المُقَامُ معه، فلما مات ﷺ افْتَرقوا في البُلْدانِ، وقد كانوا يَعُدُّون مِن الكبائِر أن يَرْجِعَ أعرابيًّا بعدَ هِجْرِتِه (٢).
وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنّ قولَه: "لا هجرةَ بعدَ الفتح"؛ أيْ: لا هجرةَ مُبتَدَأةً يَهجُرُ بها المرءُ وطنَه هِجْرَانًا لا يَنْصَرفُ إليه، مِن أهل مكةَ؛ قريشٍ خاصَّةً، بعدَ الفتح، وأمَّا مَن كان مُهاجِرًا منهم، فلا يجوزُ له الرُّجُوعُ إليها على حالٍ مِن الأحوالِ ويَدَعُ رسولَ الله ﷺ. وهذا بَيِّن فيما ذكرنا إن شاء الله.