التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ويرِثُ، ويصلَّى عليه إذا استُوقِنتْ حياتُه بأيِّ شيءٍ وصحَّت من ذلك كلِّه. وهو قولُ الشافعيِّ، والكوفيِّ، وأصحابِهم (١).
وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني، إنكارُ الكلام إذا لم يكنْ في موضعِه، وكان جهلًا من قائلِه. وقد زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يدلُّ على كراهيَةِ التَّسجيع في الكلام. وقال آخرون: إنّما كرِه رسولُ الله ﷺ تسجيعَ الهُذَليِّ في هذا الحديثِ لأنّه كلامٌ اعترَض به قائلُه على رسولِ الله ﷺ اعتراضَ منكِرٍ، وهذا لا يحلُّ لمسلم أن يفعَلَه، وإنَّما ترَك رسولُ الله ﷺ التَّغليظَ عليه في الإنكارِ لأنّه كان أعرابيًّا لا علمَ له بأحكام الدِّينِ، فقال له قولًا ليِّنًا، وتلك شَيْمتُه ﷺ؛ ألّا ينتقمَ لنفسِه، وأن يُعرِضَ عن الجاهلينَ.
وفي قولِه ﷺ في هذا الحديثِ: "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" دليلٌ على أنَّ الكُهَّانَ كانوا كلُّهم يَسجَعون، أو كان الأغلبَ منهم السَّجْعُ، وهذا معروفٌ عن كُهَّانِ العربِ، يُغني عن الاستشهادِ عليه، وكلُّ ما نُقِل عن شِقٍّ وسَطِيح (٢) وغيرِهما من كُهَّانِ العربِ في الجاهليَّةِ فكلام مُسجَّع كلُّه، وإنّما يُنكرُ على الإنسانِ الخطيبِ أو غيرِه في المتكلِّمين أن يكونَ كلامُه كلُّه تسجيعًا أو أكثرُه، وأمَّا إذا كان السَّجعُ أقلَّ كلامِه فليس بمعيبٍ، بل هو مُستحسَنٌ محمودٌ، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال في بعض جِراحاتِه: "هل أنتِ إلّا إصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لَقِيتِ؟ " (٣). وقال النبيُّ ﷺ: "أنا النبيُّ لا كذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب" (٤).