التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
عن طاوُوسٍ: أدرَكْتُ ناسًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدَرٍ. وأكثرُ الرُّواةِ ذكروا الزيادةَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، كما روَى يحيى (١)، إلّا أنَّ منهم مَن لم يَشُكَّ ورواه على القَطْع (٢). وهو حديثٌ ثابِتٌ لا يجئُ إلّا مِن هذا الوجْهِ؛ فإن صَحَّ أنَّ الشَّكَّ مِن ابنِ عمر، أو ممَّن هو دُونَه، ففيه دليل على مراعاةِ الإتْيانِ بألفاظِ النبيِّ ﷺ على رُتْبَتِها، وأظُنُّ هذا مِن وَرَع ابنِ عمرَ ﵀. والذي عليه العلماءُ اسْتِجازَةُ الإتيانِ بالمعاني دُونَ الألفاظِ لمن يَعْرِفُ المعنَى، رُوِيَ ذلك عن جماعَةٍ مَنْصوصًا، ومَن تأمَّلَ حديثَ ابنِ شهابٍ ومثلَه، واختلافَ أصْحابِهم عليهم في مُتُونِ الأحادِيثِ، بانَ له ما قُلْنا، وبالله توفيقُنا.
وفي هذا الحديثِ أدلُّ الدلائلِ وأوضَحُها (٣) على أنَّ الشرَّ والخيرَ كلٌّ مِن عندِ الله، وهو خالِقُهما، لا شريكَ له، ولا إلهَ غيرُه؛ لأنَّ العَجزَ شر، ولو كان خيرًا ما استَعاذ منه رسولُ الله ﷺ، ألا تَرى أنَّ رسولَ الله ﷺ قد استَعاذ مِن الكَسَل والعَجْزِ، والجُبْنِ والدَّيْنِ (٤)، ومُحَالٌ أن يَسْتَعِيَذ مِن الخيرِ، وفي قولِ الله ﷿: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ١ - ٢] كِفايَةٌ لمَن وُفِّق، وقال ﷿: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣؛ فاطر: ٨].
وروى مالكٌ (٥)، عن زيادِ بنِ سعدٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنّه قال: سَمِعْتُ عبدَ الله بنَ الزُّبير يقولُ في خُطْبَتِه: إنَّ اللهَ هو الهادي والفاتِنُ.