Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٤٢

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٣/ ٦٠٠

له، فالتَفَت فإذا هو بحذيفةَ إلى جنبِه، فلقَّنه إيَّاها، فنظَر حذيفةُ، فإذا عمرُ، فلقَّنه إيَّاها، فلمَّا كان في خلافةِ عمرَ ونظَر في الكَلالَةِ لَقِيَ حذيفةَ، فسأله عنها، فقال حذيفةُ: لقَّننِيها النبيُّ ﷺ، فلقَّنتُكَ كما لَقَّنني، والله لا أزِيدُك على هذا أبدًا (١).

قال أبو عُمر: طعَن قومٌ من المُلْحِدِين على عمرَ ﵁ في هذه القصةِ، ونسَبوه إلى قِلَّةِ الفَهمِ، فأوضَحوا جَهلَهم، وكشَفوا قِلَّة فَهمِهم، وسَرَّحوا عن بدعتِهم، وقد عرَف المسلمون موضِعَ فِطْنةِ عمرَ وفَهمِه وذكائِه، حتى لقد كان يسْبِقُ التنزيلَ بفِطنتِه، فينزِلُ القرآنُ على ظنِّه ومُرادِه، وهذا محفوظٌ معلومٌ عنه في غيرِ ما قصةٍ؛ منها نزولُ آيةِ الحجابِ، وآيةِ فِداءِ الأسرى، وآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وآية تحريم الخمر، وغير ذلك مِمَّا يطولُ ذِكْرُه. ولا يجهَلُ فضائلَه وموضِعَه من العلم إلَّا من سَفِه نفسَه. ولَعَمرِي، إنَّ في هذا الخبرِ عنه في الكَلالَةِ ما يَزِيدُ في فضلِه، ويوضِّحُ عن فَهمِه ومنزلتِه عندَ رسولِ الله ﷺ؛ لأنَّه لو لم يكنْ عندَ رسولِ الله ﷺ ممَّن يقومُ باستخراجِ التأويلِ، وَيَسْتَنبِطُ المعانيَ من التنزِيلِ، لَمَا رَدَّ رسولُ الله ﷺ هذا ومثلَه إلى نظَرِه واستِنباطِه، وإلى بصَرِه واستِخراجِه، ولَمَا قال له: "يكفِيكَ آيةُ الصَّيْفِ". ولو كان عندَه مِمَّن لا يُدرِكُ استِخراجَ التأويل مِن ظاهِرِ التنزِيلِ، لَمَا كفَتْه عندَه الآيةُ، ولَبيَّنَ له ما يَحتاجُ مِن ذلك إليه، وأوضَحَ له ما أشكَل عليه؛ إذ كان بيانُه واجبًا لازمًا له ﷺ.