التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
وفي اتِّفاقِ الفقهاءِ على أنَّ البيعَ إذا وقَع بالرِّبا مفسوخٌ أبدًا، دليلٌ واضحٌ على أنَّ بيعَ عاملِ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- الصاعين بالصاع، في هذا الحديثِ، كان قبلَ نُزولِ آيةِ الرِّبا، وقبلَ أن يتقدَّمَ إليهم رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بالنهي عن التفاضلِ في ذلك، ولهذا سأله عن فعلِه ليُعلِمَه بما أحدَثَ اللهُ من حُكْمِه، ولذلك لم يَأْمُرْ بفَسْخِ ما لم يتقدَّمْ للعبادِ فيه. واللهُ أعلمُ.
وقد رُوي أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرَ برَدِّ هذا البيع، وذلك محفوظٌ من حديثِ بلال، ومن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أيضًا (١)؛ روَى منصورٌ وقَيْسُ بنُ الرَّبيع، عن أبي حَمْزَةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن بلالٍ قال: كان عندِي مِزْوَدٌ من تمرٍ دُونٍ قد تغَيَّرَ، فابتَعتُ تمَرًا أجوَدَ منه في السُّوقِ بنصفِ كَيْلِه، بعتُه صاعين بصاعٍ، وأتيتُ به النبيَّ ﷺ، فقال: "من أينَ لكَ هذا؟ ". فحدَّثتُه بما صنَعتُ، فقال: "هذا الرِّبا بعَينِه، انطَلِقْ فرُدَّه علَى صاحبِه، وخُذْ تَمرَكَ، وبِعْهُ بحِنْطَةٍ أو شعيرٍ، ثمَّ اشتَرِ من هذا التَّمرِ، ثمَّ ائتِنِي به". ففعَلْتُ، فقال النبيُّ ﷺ: "التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلِ، والحِنْطَةُ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوزْنٍ، والفضَّةُ بالفضَّةِ وَزْنًا بوزْنٍ، فما كان من فَضْلٍ فهو الرِّبَا، فإذَا اختلَفَتْ، فخُذُوا واحدًا بعشَرةٍ" (٢).