التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
بحَبّتين من عِنَبٍ، فنظَر إليها بعضُ أهلِ بيتِها، فقالت: لا تَعْجَبَنَّ، فكم فيها من مثقالِ ذرَّةٍ (١)؟
ومن هذا البابِ قولُ رسولِ الله ﷺ: "اتَّقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيِّبةٍ" (٢). وإذا كان اللهُ يُرْبِي الصَّدقاتِ، وَيأخُذُ الصدقةَ بيَمِينِه، فيُرْبِيها كما يُرَبِّي أحدُنا فَلُوَّه أو فَصِيلَه (٣)، فما بالُ من عَرَفَ هذا يَغفُلُ عنه؟ وما التوفيقُ إلّا بالله.
وفي سماعِ رسولِ الله ﷺ في حديثِ ابن بُجَيْدٍ هذا من روايةِ المَقْبُرِيِّ وغيرِه، قولَ جدَّةِ ابن بُجَيْدٍ له: إنّ المِسْكينَ لَيقِفُ على بابِي. ولم يُنكِرْ عليها، دليلٌ على أنّ قولَه ﷺ في حديثِ أبي هريرةَ: "ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ عليكم" (٤) لم يُرِدْ به اسمَ المَسْكَنةِ، ولكنَّه أراد معنًى منها ليس موجودًا في الطَّوَّافِ على الأبوابِ، وهو الصَّبْرُ على اللّأْوَاءِ والفَقْرِ مع تركِ السُّؤالِ، وكلاهما يَقعُ عليه اسمُ مسكينٍ بظاهرِ الحدِيثينِ، فكأنّه أراد، واللهُ أعلمُ: ليس المسكينُ على تمام المسكَنةِ، وعلى الحقيقةِ، إلّا الذي لا يَسألُ الناسَ. ومنه قولُه ﷺ: "ليس مِن البِرِّ الصيامُ في السَّفَرِ" (٥). أي: ليس البِرُّ كلُّه بتَمامِه؛ لأنّ الفِطرَ أيضًا في السَّفرِ في رمضانَ بِرٌّ؛ للأخذِ برُخصةِ الله ﷿ وإباحتِه، وبالله التوفيقُ.