Skip to content

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار ٥

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Printed page ٢/ ٥٠٩

تَقديرُ الكلام: قولُه ﵇: ما عليكم أنْ تَفْعلوا؛ أي لا حَرَجَ عليكم في العَزْل (١).

وقولُه: "ما مِن نسَمةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامة" أراد: ما مِن نسَمةٍ قدَّر اللهُ أن تكونَ إلَّا ولا بُدَّ من كونها، فلا يُوجِبُ العَزْلُ منعَ الولدِ، كما لا يُوجبُ الاسْتِرسالُ أن يَأتيَ الولدُ، بل ذلك بيدِهِ تعالى لا إلهَ إلَّا هو.

وفيه أنَّ أُمَّ الولدِ لا يجوزُ بيعُها؛ لقولِه: وأحببْنا الفداءَ، فأرَدْنا أنْ نعزِلَ. والفداءُ هاهنا الثمنُ في البيع، أو أخْذُ الفداءِ من أقاربِهِنَّ من المشركين فيهِنَّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ قد ملَك ما وقَع في سَهْمِه من السَّبْيِ، فأرادوا الوَطْءَ، وخافوا الحملَ المانعَ من الفِداءِ والبيع، فهمُّوا بالعزلِ رجاءَ السلامةِ من الحَمْلِ في الأغلب، ولم يُقْدِموا على العزلِ حتى سألوا رسولَ الله ﷺ؛ لأنَّ اليهودَ كانت تقولُ بينَ أظهُرِهم: إنَّ العزلَ هو الموؤودةُ الصُّغرَى. وكانوا أهلَ كتابٍ، فلم يُقْدِموا على العزلِ لما كان في نُفوسِهم من قولِ اليهود، حتى وقَفوا على ما في ذلك عندَ نبيِّهم ﷺ وفي شريعتهم، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأباح لهم العزلَ، ولو كانت أُمُّ الولدِ يجوزُ بَيعُها، ولم يَمْنَعْ من ذلك حَمْلُها، لبَلَغوا من الوَطْءِ ما أحَبُّوا، مع حاجتِهم إلى ذلك، ولكنَّهم لما أرادوا الفِداءَ أحبُّوا العَزْلَ، ليَسْلمَ ذلك لهم، ثم لَمْ يُقْدِمُوا على ذلك حتى سألوا رسولَ الله ﷺ، فأخبرَهم أنَّ اللهَ قد فرَغ من العبادِ، وقد علِم كلَّ نسَمةٍ كائنةٍ وقدَّرها، وجفَّ القلمُ بها، وما قَدَّرَ لَمْ يُصرَفْ.