Skip to content

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي [سورة آل عمران (٣) : آية ٩٣]

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Printed page ٢/ ٣٠١

زيد فكان زيد أَوْجَدَ فِي نَفْسِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ قَبِلَهَا

وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ هُوَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ وَمَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَمْوَالِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِتْقُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجَارِيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ رَأَى كُلَّ مَا أَخْرَجَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ فَهُوَ مِنْ النَّفَقَةِ المراد بالآية ويدل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُ عَامًّا فِي الْفُرُوضِ وَالنَّوَافِلِ وَكَذَلِكَ فِعْلُ أَبِي طَلْحَةَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ عَلَى أَنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ الَّذِي هُوَ فِي أَعْلَى مَنَازِلِ الْقُرَبِ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تحبون عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّرْغِيبِ فِيهِ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مِمَّا يُحِبُّ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ نِيَّتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ وَقَدْ يَجُوزُ إطْلَاقُ مِثْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ الْكَمَالِ كَمَا

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَكِنْ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ

فَأَطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ لَهُ بِالْمَسْكَنَةِ لَا عَلَى نَفْيِ الْمَسْكَنَةِ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ

قَوْله تَعَالَى كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَأْكُولَاتِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَى أَنْ حَرَّمَ إسْرَائِيلُ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ أَنَّهُ أَخَذَهُ وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا فَحَرَّمَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إلَيْهِ إنْ شَفَاهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَهُوَ لُحُومُ الْإِبِلِ وَقَالَ قَتَادَةُ حَرَّمَ الْعُرُوقَ وَرُوِيَ أَنَّ إسْرَائِيلَ وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بن إبراهيم ﵈ نذر إن برىء مِنْ عِرْقِ النَّسَا أَنْ يُحَرِّمَ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ وَهُوَ لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَهُودَ أَنْكَرُوا تَحْلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ لُحُومَ الْإِبِلِ لِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ النَّسْخَ جَائِزًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَإِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ إلَى أَنْ حَرَّمَهَا إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ وَحَاجَّهُمْ بِالتَّوْرَاةِ فَلَمْ يَجْسُرُوا عَلَى إحْضَارِهَا لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فِيهَا وَبَيَّنَ بِذَلِكَ بُطْلَانَ قَوْلِهِمْ فِي إبَاءِ النَّسْخِ إذْ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي وَقْتٍ ثُمَّ حُظِرَ جَازَتْ إبَاحَتُهُ بَعْدَ حَظْرِهِ وَفِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ ﷺ كان أميا لا يقرأ الكتاب وَلَمْ يُجَالِسْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَلَمْ يَعْرِفْ سَرَائِرَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ إيَّاهُ وَهَذَا الطَّعَامُ الَّذِي حَرَّمَهُ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ صَارَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وَعَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ يَدُلُّ