Skip to content

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي [سورة البقرة (٢) : آية ٢٧١]

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Printed page ٢/ ١٧٧

فِضَّةٌ عَنْ الْجِيَادِ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَثَمَنِ الصَّرْفِ اللَّذَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عنهما غيرهما ودل على أن حكم الردى فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْجَيِّدِ وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا على جواز بيع الفضة الجيدة بالردية وَزْنًا بِوَزْنٍ لِأَنَّ مَا جَازَ اقْتِضَاءُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ جَازَ بَيْعُهُ بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ إنَّمَا أَرَادَ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْوَزْنِ لَا فِي الصِّفَةِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا ذَكَرَهُ مَعَهُ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ اقْتِضَاءِ الجيد عن الردى برضا الغريم كما جاز اقتضاء الردى عَنْ الْجَيِّدِ إذْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الصِّفَةِ حُكْمٌ

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً

قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَضَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَزَادَنِي وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ قَالُوا لَا بَأْسَ إذَا أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ سودا أن يقبضه بيضا إذا لم يشرط ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَوَى سُلَيْمَانُ التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ إذَا أَقْرَضَ دَرَاهِمَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنْهَا وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَهُ إذَا رَضِيَ الْمُسْتَقْرِضُ وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ خَيْرًا مِنْهَا إذَا لَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ

قَوْله تَعَالَى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ قَدْ قِيلَ إنَّ الْفَحْشَاءَ تَقَعُ عَلَى وُجُوهٍ وَالْمُرَادُ بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْبُخْلُ وَالْعَرَبُ تسمى البخيل فاحشا والبخل فحشا قَالَ الشَّاعِرُ:

أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ يَعْنِي مَالَ الْبَخِيلِ وفي هذه الآية ذم البخيل والبخل

وقوله ﷿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ الْآيَةَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ فَإِظْهَارُهَا أَفْضَلُ لِئَلَّا تَلْحَقَهُ تُهْمَةٌ وَعَنْ الْحَسَنِ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَقَتَادَةَ الْإِخْفَاءُ فِي جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ أَفْضَلُ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إظْهَارِ الصَّدَقَةِ كَمَا مَدَحَ عَلَى إخْفَائِهَا فِي قَوْله تَعَالَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ الْمَوْكُولِ أَدَاؤُهَا إلَى أَرْبَابِهَا مِنْ نَفْلٍ أَوْ فَرْضٍ دُونَ مَا كَانَ مِنْهَا أَخْذُهُ إلَى الْإِمَامِ إلَّا أَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي جَمِيعَهَا لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ هُنَا لِلْجِنْسِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الصَّدَقَاتِ مَصْرُوفَةٌ إلَى الْفُقَرَاءِ وَأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بالفقر لا غير وَأَنَّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَصْنَافِ مَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ فِي قَوْله تَعَالَى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ إنما «١٢- أحكام في»