Skip to content

فتاوى نور على الدرب للعثيمين إيمان من بغداد تقول هل عند قيام المسلم بالدعاء والسؤال من الله ﷿ وقوله مثلا: اللهم اغفر لي بجاه سيدنا محمد ﷺ، هل هذا حرام ويعاقب الله المؤمن عليه؟ مع شكري لأسرة البرنامج وللشيخ المجيب

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢

إيمان من بغداد تقول هل عند قيام المسلم بالدعاء والسؤال من الله ﷿ وقوله مثلاً: اللهم اغفر لي بجاه سيدنا محمد ﷺ، هل هذا حرام ويعاقب الله المؤمن عليه؟ مع شكري لأسرة البرنامج وللشيخ المجيب

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن يُعلم أن الدعاء من عبادة الله ﷿، وإذا كان الدعاء من العبادة فإنه ليس لنا أن نحدث من وسائل الدعاء ما لم ترد به الشريعة، والتوسل إلى الله ﵎ حال الدعاء يكون بأمور: أولاً: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لقوله: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) ، مثل أن يقول الإنسان: اللهم يا رزاق ارزقني، ويا غفور اغفر لي، ويا رحمن ارحمني، ومثل أن يقول: أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، فيتوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، وهذا مما جاءت به الشريعة. الوسيلة الثانية: أن يتوسل إلى الله تعالى بالإيمان به وطاعته، كما ذكر الله تعالى عن أولي الألباب الذين يقولون: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) ، فإن الفاء هنا للسببية، تدل أن ما بعدها مفرع على ما قبلها، أي: بسبب إيماننا بهذا المنادي فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. والوسيلة الثالثة: أن يتوسل الإنسان بحاجته إلى الله ﷿، أي: بذكر حاله وفقره، كما في قول موسى ﵊: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) ، فهذا خبر لكنه يتضمن الدعاء والتوسل إلى الله ﵎ بذكر حال الداعي، وتارة يكون التوسل إلى الله تعالى بكل هذه الأسباب، كما في الدعاء الذي علمه النبي ﷺ أبا بكر يدعو به في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم) ، فإن هذا توسل إلى الله تعالى بذكر حال العبد: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) ، وبالثناء على الله تعالى بصفاته في قوله: (إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ، وهذا من الإيمان بالله: (فاغفر لي مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم) . هذه هي الوسائل الشرعية الصحيحة التي يتوسل بها المرء إلى الله تعالى لإجابة دعائه. أما التوسل بالنبي ﷺ نفسه: فإن كان توسلاً بدعاء النبي ﷺ للمتوسل فهذا لا بأس به، ولكن هذا لا يكون إلا في حياة الرسول ﷺ، كما في قول عمر ﵁: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) ، ثم يأمر العباس بن عبد المطلب فيدعو الله ﷿، كما دخل الأعرابي والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل وجاع العيال، فادع الله يغيثنا. فرفع النبي ﷺ يديه ورفع الناس أيديهم وقال: (اللهم أغثنا) ثلاث مرات، فما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته، فهذا توسل بنفس الرسول ﵊ أن يدعو للمرء الذي توسل به إلى الله ﷿. وأما التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته فهذا لا يجوز، ومنه أن يتوسل بجاه الرسول ﵊ فإن هذا من البدع، لم يرد عن الصحابة أنهم توسلوا بجاه النبي ﷺ، وكما أن هذا مقتضى الأثر: ألا نتوسل بجاه الرسول ﵊ لعدم وروده، فكذلك أيضاً هو مقتضى النظر، فإن جاه الرسول ﵊ ليس من فعلنا حتى نتوسل به إلى الله، كالتوسل بإيماننا وعملنا، وليس هو أيضاً نافعاً لنا حتى نتوسل إلى الله تعالى به، فإن جاه الرسول ﵊ إنما ينتفع به الرسول ﷺ وحده، فليس وسيلة لإجابة الدعاء. وإذا كان مقتضى الأثر والنظر ألا نتوسل إلى الله تعالى بجاه الرسول ﵊ فلنتوسل إلى الله تعالى بما هو أحسن منه، وهو: الإيمان بالرسول ﷺ، كما حكى الله ﷾ عن أولي الألباب، فهذه الطريق الواردة الحسنة القيمة- وهي: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان برسوله ﷺ ما لنا لا نسلكها؟ ما لنا نسلك طريقاً وهي محرمة وبدعة، وَنَدَعُ هذا الطريق؟ فمادام الله تعالى قد فتح لنا طرقاً مشروعة سليمة فلنكن من الذين يسلكونها، حتى نكون ممن قال الله تعالى عنهم: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) .

***