Skip to content

فتاوى نور على الدرب للعثيمين بارك الله فيكم المستمع فلاح من العراق يقول في سؤاله هذا: في يوم الخميس وقبل صلاة العشاء يقوم المؤذن في المسجد بعمل المديح للرسول والدعاء، وغالبا ما يكون في هذا المديح من شعائر الصوفية كقولهم: يا حبيب الخلق ما لي سواك. ما التوجيه؟ جزاك الله خيرا ونفع بعلمكم

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢

بارك الله فيكم المستمع فلاح من العراق يقول في سؤاله هذا: في يوم الخميس وقبل صلاة العشاء يقوم المؤذن في المسجد بعمل المديح للرسول والدعاء، وغالباً ما يكون في هذا المديح من شعائر الصوفية كقولهم: يا حبيب الخلق ما لي سواك. ما التوجيه؟ جزاك الله خيراً ونفع بعلمكم

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل لا شك أنه بدعة منكرة يجب النهي عنها والبعد عنها، وذلك لأنها لم ترد في كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ولا سنة الخلفاء الراشدين، وما عدا ذلك فهو بدعة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ونحن نعلم ونشهد الله ﷿ أننا لسنا أشد حرصاً من الصحابة على عبادة الله ﷿، ولسنا أعلم بما يحبه الله من الصحابة ﵃، ولسنا أشد تعظيماً لله من الصحابة ﵃، وهذه أمور مسلمة لا يمتري فيها أحد، وإذا كانت هذه الأمور مسلمة ولم يحصل من الصحابة عمل سوى ما سنه رسول الله ﷺ علمنا بأن الخير في اتباعهم، كما قال الله ﷿: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . فالواجب على جميع المسلمين أن يتحروا سنة رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين فيتبعوها، وأن يبتعدوا عن البدع التي لا تزيدهم من الله إلا بعداً، مع ما فيها من العناء والمشقة وإفساد القلوب. ثم إن في هذا القصيد الذي أشار إليه السائل ما هو شرك لله ﷿، بل نسيان لله ﷿، كما في قوله: يا حبيب الخلق ما لي سواك، فأين الله؟ إن هذا الرجل الذي يخاطب النبي ﵊ بأنه ليس له سواه يعني أنه نسي الله ﷿، وأن الله تعالى في نظره لم يكن شيئاً، وأن النبي ﷺ هو الذي ينفع ويضر وهو الذي يُدعى ويُستغاث به، وهذا بلا شك من الشرك الأكبر المخرج عن الملة، فمن قاله معتقداً مدلوله فإنه لا تقبل منه صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج وعمله مردود عليه حتى يتوب إلى الله، ويجب على المسلمين أن يعرفوا الأمر على حقيقته، وأن رسول الله ﷺ عبدٌ رسولٌ، وأشرف أوصافه أن يكون عبداً رسولاً، وأنه لا حق له في شيء من خصائص الربوبية، بل قد قال الله آمراً إياه: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) . فأمره الله أن ينفي ذلك عن نفسه، وأن يبين أنه عبد مأمور مؤتمر: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) . وقال الله تعالى له: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً? قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً? إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) . فأمره الله أن يقول: إنه لا يملك لأحد ضرّاً ولارشداً، بل هو نفسه لا يملك أن يدافع عن نفسه: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً) . وأن يبين للناس أنه ليس إلا رسولاً يبلغ رسالة ربه: (إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ) . والاستثناء هنا منقطع، فـ (إِلاَّ) فيه بمعنى لكن. وقال الله ﷿ آمراً إياه أيضاً: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة، والحوادث الواقعة في عهد النبي ﷺ، التي تدل على أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يعلم الغيب كثيرة أيضاً، فعلى المؤمن أن يتقي الله ﷿ في نفسه وفي رسوله وحبيبه ﷺ وأن يعلم أن هذا الغلو الذي يغلو فيه برسول الله ﷺ من الأمور التي يكرهها الرسول ﷺ ولا يقرها، بل ينهى عنها ﵊، وإذا كان صادقاً في محبة الله ورسوله فليتبع الرسول ﷺ على ما جاء من شرعه دون تجاوز أو تقصير، يقول الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) . وإن الإنسان ليأسف إذا سمع ما يحدث في كثير من البلاد الإسلامية من الغلو برسول الله ﷺ؛ لأن ذلك ينبئ عن أحد أمرين لا مناص منهما: إما قصور في علم من عندهم من أهل العلم، وإما تقصير من أهل العلم في إبلاغ الحق لهؤلاء العوام الذين يقعون في الشرك الأكبر وربما لا يشعرون. فالواجب على أهل العلم الذين حملَّهم الله إياه وأخذ عليهم الميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتموه، وأن يدعوا الناس إلى الحق، وأن لا يداهنوا في دين الله، وأن لا يراعوا ضمائر الناس الجهال الذين لا يعلمون عن الحق شيئاً، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا مانع من أن يتبعوا الطريق التي يكون بها حصول المقصود ولو على الزمن الطويل، بل قد تتعين هذه إذا لم تكن وسيلة أقرب منها، وأما السكوت، وترك العامة على ما هم عليه بموافقتهم ومصاحبتهم في هذا الأمر فهو أمر يؤسف له. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة حتى تعود- بل في الأصح: حتى تتقدم- إلى ما كان عليه السلف الصالح من تحقيق عبادة الله ﷿ والإخلاص له، وتحقيق متابعة النبي ﷺ وترك البدع، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الصلاح.

***