Skip to content

فتاوى نور على الدرب للعثيمين وصلتنا رسالة من المستمع م. ع. ص. من جمهورية مصر العربية يقول: ما حكم الشرع في نظركم في أعياد الميلاد والاحتفال بذكرى المولد للرسول ﷺ؟ لأنها تنتشر عندنا بكثرة، أفيدونا بارك الله فيكم

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢

وصلتنا رسالة من المستمع م. ع. ص. من جمهورية مصر العربية يقول: ما حكم الشرع في نظركم في أعياد الميلاد والاحتفال بذكرى المولد للرسول ﷺ؟ لأنها تنتشر عندنا بكثرة، أفيدونا بارك الله فيكم

فأجاب رحمه الله تعالى: نظرنا في هذه المسألة أن نقول: إن رسول الله ﷺ رسول إلى الخلق أجمعين، وإنه يجب على جميع الخلق أن يؤمنوا به ويتبعوه، وإنه يجب علينا مع ذلك أن نحبه أعظم من محبتنا لأنفسنا ووالدينا وأولادنا؛ لأنه رسول الله ﷺ، ونرى أن من تعظيم النبي ﷺ وعلامة محبته أن لا نتقدم بين يديه بأمر لم يشرعه لنا؛ لأن ذلك من التقدم عليه وقد قال الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ?. وإقامة عيد لميلاد النبي ﷺ لا تخلو من أحوال ثلاث: إما أن يفعلها الإنسان حباً وتعظيماً للنبي ﷺ، وإما أن يفعلها لهواً ولعباً، وإما أن يفعلها مشابهةً للنصارى الذين يحتفلون بميلاد عيسى بن مريم ﵊. فعلى الأول: إذا كان يفعلها حباً وتعظيماً للرسول الله ﷺ فإنها في هذه الحال تكون ديناً وعبادة؛ لأن محبة النبي ﷺ وتعظيمه من الدين، قال الله تعالى: ?إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً? لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا?. وإذا كان ذلك من الدين فإنه لا يمكن لنا ولا يسوغ لنا أن نشرع في دين النبي ﷺ ما ليس منه، إذ إن ذلك- أي: شرعنا في دين النبي ﷺ ما ليس منه- يستلزم أحد أمرين باطلين: فإما أن يكون الرسول ﷺ لم يعلم بأن هذا من شريعته، وحينئذٍ يكون جاهلاً بالشرع الذي كلف بتبليغه، ويكون من بعده ممن أقاموا هذه الاحتفالات أعلم بدين الله من رسوله، وهذا أمر لا يمكن أن يتفوه به عاقل فضلاً عن مؤمن. وإما أن يكون النبي ﷺ قد علم، وأن هذا أمر مشروع، ولكنه كتم ذلك عن أمته، وهذا أقبح من الأول، إذ إنه يستلزم أن النبي ﷺ قد كتم بعض ما أنزل الله عليه وأخفاه على الأمة، وهذا من الخيانة العظيمة، وحاشا رسول الله ﷺ أن يكتم شيئاً مما أنزل الله عليه. قالت عائشة ﵂: لو كان النبي ﷺ كاتماً شيئاً مما أنزل الله عليه لكتم قول الله تعالى (وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) . وبهذا بطلت إقامة الاحتفال بمولد النبي ﷺ من أجل محبته وتعظيمه.

وأما الأمر الثاني، وهو: أن تكون إقامة هذه الاحتفالات على سبيل اللهو واللعب، فمن المعلوم أنه من أقبح الأشياء أن يفعل فعل يظهر منه إرادة تعظيم النبي ﷺ وهو للعب واللهو، فإن هذا نوع من السخرية والاستهزاء، وإذا كان لهواً ولعباً فكيف يتخذ ديناً يعظم به النبي ﷺ؟

وأما الأمر الثالث، وهو: أن يتخذ ذلك مضاهاة للنصارى في احتفالاتهم بميلاد عيسى بن مريم ﵊، فإن تشبهنا بالنصارى في أمر كهذا يكون حراماً؛ لأن النبي ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) . ثم نقول: إن هذا الاحتفال بمولد النبي ﷺ لم يفعله الصحابة ﵃، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا تابعو التابعين، وإنما حدث في القرن الرابع الهجري، فأين سلف الأمة عن هذا الأمر الذي يراه فاعلوه من دين الله؟ هل هم أقل محبة وتعظيماً منا لرسول الله؟ أم هل هم أجهل منا بما يجب للنبي ﷺ من التعظيم والحقوق؟ أم ماذا؟ إن أي إنسان يقيم هذا الاحتفال يزعم أنه معظم للنبي ﷺ فقد ادعى لنفسه أنه أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ وأقوى محبة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، ولا ريب أن محبة النبي ﷺ وتعظيمه إنما يكون باتباع سنته ﷺ؛ لأن اتباع سنته أقوى علامة تدل على أن الإنسان يحب النبي ﷺ ويعظمه، أما التقدم بين يديه وإحداث شيء في دينه لم يشرعه فإن هذا لا يدل على كمال محبة الرسول ﷺ وتعظيمه. قد يقول قائل: نحن لا نقيمه إلا من باب الذكرى فقط. فنقول: يا سبحان الله! تكون لكم الذكرى في شيء لم يشرعه النبي ﵊، ولم يفعله الصحابة ﵃؟ مع أن لديكم من الذكرى ما هو قائم ثابت بإجماع المسلمين، وأعظم من هذا وأدوم: فكل المسلمين يقولون في أذان الصلوات الخمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وكل المسلمين يقولون في صلاتهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وكل المسلمين يقولون عند الفراغ من الوضوء: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بل إن ذكرى النبي ﷺ تكون في كل عبادة يفعلها المرء؛ لأن العبادة من شرطها الإخلاص والمتابعة لرسول الله ﷺ، فإذا كان الإنسان مستحضراً ذلك عند فعل العبادة فلا بد أن يستحضر أن النبي ﷺ إمامه في هذا الفعل، وهذا تذكر. وعلى كل حال فإن فيما شرعه الله ورسوله من علامات المحبة والتعظيم لرسول الله ﷺ كفاية عما أحدثه الناس في دينه مما لم يشرعه الله ولا رسوله، ونسأل الله ﷾ أن يوفق الجميع لما فيه الخير. على أن هذه الاحتفالات فيما نسمع يكون فيها من الغلو والإطراء ما قد يخرج الإنسان من الدين، ويكون فيها من الاختلاط بين الرجال والنساء ما تخشى منه الفتنة والفساد، والله أسأل أن يهيئ للأمة الإسلامية من أمرها رشداً، وأن يوفقها لما فيه صلاح دينها ودنياها وعزتها وكرامتها، إنه جواد كريم.

***