Skip to content

فتاوى نور على الدرب للعثيمين السؤال: ما هو رأي الدين في هذه الأشياء والدليل من الكتاب والسنة؟ -القصائد التي تمدح الرسول ﷺ وتمجده، وإلقائها في المناسبات الدينية وذلك بإحياء الليالي بها؟

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢

السؤال: ما هو رأي الدين في هذه الأشياء والدليل من الكتاب والسنة؟ -القصائد التي تمدح الرسول ﷺ وتمجده، وإلقائها في المناسبات الدينية وذلك بإحياء الليالي بها

؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا التعبير- وهو: ما رأي الدين؟ أو: ما هو رأي الإسلام؟ أو ما أشبه ذلك- لا أحب أن يعرض في سؤال، أولا: ً كلمة رأي الدين، الدين في الحقيقة ليس رأياً، والدين ليس فكراً، إنما الدين عقيدة وشريعة من الله ﷿ لا مجال للرأي فيه ولا مجال للفكر فيه، ولهذا نحن ننتقد هؤلاء الذين يقولون: هذا فكر إسلامي وما أشبه ذلك، الإسلام ليس فكراً وليس رأياً من الأفكار والآراء، إنما هو شريعة من لدن حكيم خبير ﷾. نعم لنا أن نقول: إن المفكر مسلم وما أشبه ذلك؛ لأن الرجل له فكر ويفكر كما أمر الله تعالى بالتفكير في خلق السماوات والأرض، لكن كوننا نعبر عن الدين بأنه فكر أو بأنه رأي وما أشبه ذلك هذا خطأ. هذا من جهة، من جهة أخرى لا أحب أن يوجه لشخص قابل للخطأ والصواب يوجه إليه سؤال عما هو حكم الإسلام ويقال: ما حكم الإسلام في كذا؟ وهو موجه إلى فرد يخطىء ويصيب؛ لأن الفرد إذا أجاب وكان خطأًلم يكن ذلك حكم الإسلام. فالذي ينبغي أن يقال مثلاً: ما هو الحكم؟ أو ما رأيك في كذا؟ وما أشبه ذلك، ثم يجيب على حسب ما يراه، معتمداً في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. بالنسبة للقصائد التي يمدح فيها الرسول رسول الله ﷺ فإن رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي- مستحق لكل مدحٍ وتعظيمٍ يليق به على أنه نبي مرسل من الله ﷾، وهو خاتم النبيين وآخر المرسلين وسيد الخلق أجمعين، فهو مستحق لكل ما يقال من وصف يليق به ﷺ، سواء قيل ذلك نظماً أم نثراً. ولكن القصائد التي تخرجه عما ينبغي أن يكون له من الغلو المفرط الزائد الذي نعلم أنه هو ﵊ يكرهه ولا يرضاه، كما نهى عن ذلك، فإننا نرى أنه لا يجوز لإنسان أن يتلوها أو يعتقد ما فيها من هذا الغلو. ومن ذلك على ضرب المثل ما جاء في قصيدة البوصيري البردة التي يقول فيها يخاطب النبي ﷺ:

فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

لا شك أن هذا شرك بل هو من أعظم الشرك، حيث إنه جعل ما يختص بالرب جعله للنبي ﷺ وسلب حق الله فيه، فإذا كان من جود الرسول ﵊ الدنيا وضرتها وهي الآخرة فما بقي لله تعالى من شيء، وإذا كان من علومه- أي: بعض العلوم التي يعلمها- علم اللوح والقلم فما بقي لله تعالى علم ومثل هذه المقالات التي تبلغ إلى هذا الحد أو إلى ما دونه مما لا يليق للمسلم أن يقوله في نبيه ﷺ فإنه لا يجوز لأحد أن يتكلم به لا نظماً ولا نثراً، أما القصائد التي تبين صفاته الحميدة وشريعته الكاملة وما أشبه ذلك فإنها لا بأس بها، بل إننا نقول: إن تلاوتها تكون من العبادة؛ لما في ذلك من كونها تغذي محبة النبي ﷺ في القلب وتعظيمه وتعزيره كما أمر الله به: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) إنْ جعلنا اللام للأمر وإلا فللتعليل، ومعنى ذلك: أن هذا أمر مقصود للشرع، ومعنى تعزروه: أي تعظموه لكن بما يليق به وأيضاً بشرط أن لا تجعل هذه القصائد في مناسبة خاصة تعود كل سنة، كما يفعله من يفعله في ليلة عيد المولد التي ابتدعوها في شريعة الله وفي دينه، وهي بدعة لا أصل لها في الشرع- أعني: ليلة عيد المولد واتخاذها عيداً يتكرر كل عام، يذكر فيه مدائح النبي ﷺ، ويبتدع فيه صفات وصيغ من الصلوات عليه ما جاءت في هديه ولا شريعته ولا هدي أصحابه- ولهذا كانت هذه البدعة أعني: بدعة عيد الميلاد من المنكرات التي يجب على المسلمين أن يحذروا منها وأن يبتعدوا عنها، ولو كان فيها خيرٌ لسبق إليها من هو أحب ومن هو أولى منا كالصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان وتابعيهم، فإنهم لم يفعلوا هذه الليلة أي ليلة عيد المولد، لم يفعلوها ولم يشيروا إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولاشك أن الذين يشرعونها والذين ابتدعوها هم في الحقيقة متنقصون لشريعة النبي ﵊ وللنبي ﷺ، ولا شك أنهم يريدون بها التقرب إلى الله ﷿، والتقرب إلى الله ﷿ عبادة , والدين كمل من جميع الوجوه في عباداته القولية والفعلية كما قال الله ﷿: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) . فأي رجل يبتدع من العبادات ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه، سواء كان ذلك في العقيدة أو في القول أم في العمل لاشك أنه حقيقة أمره ولسان حاله يقول: إن الدين لم يكمل، وأنا كملته بما أحدثته من هذه العبادة التي أتقرب بها إلى الله ﷿. لهذا يجب على كل من ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله من ذكر قولي أو فعلي أو مدح للرسول ﵊ أو غيره، يجب عليه أن ينظر في الأمر مرة ثانية، وأن يعرف أنه بابتداعه هذا طعن في دين الله يراه ناقصاً ويحتاج إلى تكميل بما أحدثه فيه، وأسال الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين لله مخلصين ولنبيه ﷺ متبعين.

***