فتاوى نور على الدرب للعثيمين
هذه الرسالة وردتنا من إسحاق محمد نور حامد الحاج من جمهورية السودان يقول فيها: يستدل بعض الناس بالحديث الذي يقول فيه الرسول ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها) إلى آخره، وكذلك بأن حسان بن ثابت كان يمدح الرسول ﷺ، فيستدلون بهذا على جواز المدح. نرجو أن تفتونا في ذلك وفقكم الله
.
فأجاب رحمه الله تعالى: مدح الرسول ﷺ بما مدحه الله به من الصفات الكاملة والآداب العالية والأخلاق المثلى هذا أمر مشروع، وأما مدحه ﷺ بما يصل إلى الغلو فإنه أمر محرم، وذلك لأن رسول الله ﷺ نهى عن الغلو، فلا يجوز للمرء أن يمدح الرسول ﷺ بأمر يصل إلى الغلو، بحيث يجعله شريكاً مع الله ﵎ في الخلق والتدبير والقدرة وما أشبه ذلك، وقد قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشيءت. فقال ﷺ: (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) . ولكن هذا المدح الذي ذكرنا أنه جائز لا يمكن أن يجعل حدثاً في دين الله، بحيث يكون مقيداً بوقت أو مكان، يتكرر كلما ما تكرر ذلك الوقت وكلما جاء الإنسان إلى ذلك المكان، وذلك أن تقييد العبادات المطلقة بزمن أو مكان معين هو من البدع؛ لأن العبادات يجب أن تكون مفعولة على حسب ما جاءت عليه من هيئة وزمن ومكان، فالعبادات المطلقة لا يجوز للمرء أن يحددها بزمن أو مكان أو حال مادامت جاءت مطلقة؛ لأن هذا هو كمال التعبد. وأما استدلال بعض المبتدعين في هذه الأمور بقول الرسول ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) فإن الرسول ﵊ قيد ذلك بقوله: (من سن في الإسلام) ، وما كان من البدع فليس من الإسلام في شيء؛ لقول الرسول ﷺ: (كل بدعة ضلالة) . وهذا عام لكل ما ابتدع في دين الله فإنه ضلال، وما كان ضلالاً فلا يمكن أن يكون ديناً وإسلاماً. فإذا قال قائل: إن قوله ﷺ: (كل بدعة ضلالة) أي كل بدعة سيئة ضلالة؟ قلنا: هذا مردود؛ لأن السيئة سيئة سواء كانت بدعة أو غير بدعة، فالزنى مثلاً ضلالة وهو ليس ببدعة؛ لورود الشريعة به وبيان حكمه. ولو قلنا: إن معنى الحديث: كل بدعة سيئة لم يكن لوصف البدعة فائدة إطلاقاً؛ أو لم يكن لذكر البدعة فائدة إطلاقاً، لأن السيئة سيئة سواء ابتدع أم لم يبتدع، ولكن الرسول ﵊ يقول: (كل بدعة ضلالة) ، فكل من ابتدع في دين الله ما ليس منه فإنه ضال بهذه البدعة. هذا حاصل الجواب.
***