فتاوى نور على الدرب للعثيمين
هذا مستمع من السودان يقول: هذا سؤالٌ يحيرني وأرجو الإفادة عليه، وهو: أن بعض الناس يقولون بأن الله فوق في السماء، وعندنا في السودان علماء التوحيد يقولون بأن الله كان ولا مكان، وهو منزهٌ عن الجهات الست، طبعاً شرق وغرب وشمال وجنوب فوق تحت، نرجو منكم التوجيه حول هذا
؟
فأجاب رحمه الله تعالى: علو الله ﷿ على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فأدلته متنوعة، كل الأدلة الممكنة في إثبات الشيء تدل على أن الله تعالى فوق عباده. أما من القرآن فأدلة ثبوت علو الله على خلقه كثيرةٌ جداً متنوعة، مثل قوله تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) ، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) ، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) ، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرةً. وكذلك الآيات الدالة على أن الأشياء تصعد إليه، كما في قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) ، (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) . وكذلك الآيات الدالة على أن الشيء ينزل من عنده، كما قال الله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) ، والآيات في هذا كثيرة جداً. وأما السنة فقد دلت بجميع أنواعها على علو الله، دلت بالقول والفعل والإقرار. فالنبي ﵊ يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى) ، وخطب الناس في يوم عرفة وقال: (هل بلغت؟ قالوا: نعم. فأشار إلى السماء يقول: اللهم اشهد) ، وسأل جاريةً قال: (أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة) . فاجتمع من السنة القول والفعل والإقرار على علو الله ﷿، وأنه فوق كل شيء. وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة، وأئمة الهدى من بعدهم، على أن الله تعالى فوق كل شيء، ولم يرد عنهم حرفٌ واحد في نفي علو الله ﷿، بل كانوا مجمعين على أن الله تعالى فوق كل شيء. وأما العقل: فإن كل إنسان يعلم بعقله أن العلو صفة كمال، وأن الرب ﷿ له صفة الكمال المطلق، فإذا كان العلو صفة كمال فإن فوات العلو صفة نقص، والله ﷿ منزهٌ عن النقص، فوجب أن يثبت له العلو؛ لأنه صفة كمال. وأما الفطرة: فما من أحدٍ يقول: يا رب، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلو، ولهذا يرفع يديه إلى السماء، واسألوا الذين يسألونه ويدعونه: أين يوجهون أيديهم؟ هل يوجهونها إلى الأرض أو إلى السماء؟ أو إلى اليمين أو إلى الشمال؟ إنهم يوجهونها جميعاً إلى السماء، وهذا أمرٌ فطري لا يختلف فيه اثنان، إلا من اجتالته الشياطين عن الفطرة، وأنكر هذا الأمر الذي فطر عليه الخلق. وإذا كان كذلك فإننا نقول: إن الله كان ﷿ كان ولم يكن شيء قبله، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وكان عالياً ﷿ قبل أن يخلق العرش، ولما خلق السماوات والأرض استوى على العرش، كما قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) ، فكان استواء الله على عرشه بعد خلقه. وهنا نقول: استواء الله على عرشه حين خلق السماوات والأرض تدل الآية الكريمة أنه لم يكن، أما قبل ذلك فالله أعلم، وأما بعد ذلك- أي: بعد خلق السماوات والأرض- فإن الآية تدل على أن الله استوى على عرشه. وأما قولهم: إن الله تعالى منزه عن الجهات الست، فهذا غاية التعطيل والعياذ بالله؛ لأنهم إذا قالوا: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا أمام ولا خلف، فإن هذا هو العدم المحض والتعطيل المحض، أين يكون؟ وإذا قلنا: إن الله تعالى في جهة العلو، العلو الذي ليس فوقه شيء، فليس في هذا من نقصٍ في حق الله ﷿؛ لأن العلو على جميع المخلوقات ليس فيه شيء من المخلوقات يمكن أن نقول إنه محاذٍ لله ﷿، بل كل شيء من المخلوقات فإن الله ﷿ فوقه، ولا يحاذي الله ﷿ شيئاً من مخلوقاته، وعين النقص في إثبات مثل ذلك. وأين الوجود إذا قلنا: إن الله تعالى خالٍ من الجهات الست؟ نعم نقول: إنه لا يمكن لجهة أن تحيط بالله؛ لأن الله تعالى محيطٌ بكل شيء، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته، فإذا كان فوق كل شيء فإن ما فوق الأشياء ليس أمراً وجودياً حتى نقول: إن هذا يقتضي أن يشارك المخلوق الخالق في علوه ﷿، والواجب على الإنسان أن يؤمن إيماناً قطعياً بأن الله تعالى فوق كل شيء، وأنه العلي الأعلى، وأنه ﷾ له العلو المطلق: علو الذات، وعلو الصفات، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة على ذلك.
***