Skip to content

فتاوى نور على الدرب للعثيمين أحسن الله إليكم وبارك فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل يقول: اختلاف السلف في العقيدة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه أم لا؟ نريد توجيها سديدا في هذه المسألة مأجورين؟

فتاوى نور على الدرب للعثيمين

ابن عثيمين

Printed page ٤/ ٢

أحسن الله إليكم وبارك فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل يقول: اختلاف السلف في العقيدة في مسألة رؤية النبي ﷺ لربه أم لا؟ نريد توجيهاً سديداً في هذه المسألة مأجورين

؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح في هذه المسألة أن النبي ﷺ لم ير ربه؛ لأنه نفسه صلوات الله وسلامه عليه سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنَّى أراه) ؟ وفي رواية: (رأيت نوراً) والله ﷿ قد احتجب عن عباده بحجب النور لا يمكن اختراقها، فإذا كان النبي ﷺ نفسه نفى أن يكون رأى الله، فلا يمكن بعد ذلك أن يدعي مدع أن النبي ﷺ رأى ربه. وما ذكر عن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ رأى ربه، فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن ابن عباس لم يصرح أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه يقظة، وإن قوله- أي: ابن عباس- يعني: أنه رآه بفؤاده، وهو كناية عن العلم اليقيني الذي يكون في القلب حتى كأنه رآه بالعين. وما قاله شيخ الإسلام ﵀ هو الحق، ولن يتمكن أحد في الدنيا أن يرى ربه يقظة أبداً. ولهذا لما قال موسى ﵊: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ) شوقاً إلى الله ﷿، قال الله له: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) . فعلق الرب عزوجل على أمر مستحيل؛ لأنه يستحيل على الجبل أن يصمد على رؤية الله ﷿، وهو جبل أصم، حجر غليظ قاسٍ قال الله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) . اندك الجبل أمام موسى يشاهده بعينه، فصعق ﵊ من هول ما رأى. (فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) فشكر الله له وقال: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) . فالمهم أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله ﵎ يقظة في الدنيا، ولن يستطيع أحد أن يَثْبُتَ لذلك. أما في الآخرة: فقد دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة ﵃ أن الله تعالى يرى في الآخرة رؤية حقيقة بالعين، قال الله ﵎: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إلى ربها ناظرة) . وهذا صريح بأن الإنسان يرى ربه بعينه، إذ إن ما تحصل به الرؤية هو العين، وهي موجودة في الوجه، لكن أضاف الله تعالى النظر إلى الوجه: لأن هذه النظرة إلى الرب ﷿ يحصل بها سرور في القلب ونورفي الوجه، حتى كأن الوجه كله ينظر إلى الله ﷿؛ لتأثره بهذه النظرة التي أسأل الله تعالى أن لا يحرمني وإخواني منها. ومن الأدلة على ذلك- على أن الله تعالى يرى في الآخرة- قول الله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) . فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله، كما فسرها بذلك أعلم الخلق بالله وآياته محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واستدل العلماء بقوله تعالى في أهل الجنة: (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) . وقالوا: إن هذا المزيد هو الزيادة التي ذكرت في الآية التي سقناها الآن، وهو النظر إلى وجه الله ﷿, واستدلوا أيضاً بقول الله ﵎ في الأبرار: (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) قالوا: إنهم ينظرون الله ﷿، وينظرون ما أعد الله لهم من النعيم؛ لقوله في الفجار: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) . فلما حجب الفجار في حال الغضب جعل النظر للأبرار في حال الرضا، فهذه أربع آيات من كتاب الله. أما السنة عن رسول الله ﷺ الذي هو أعلم الخلق بالله، وأشدهم تنزيهاً لله- فقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حتى إن الرسول ﵊ قال ذلك بوجه صريح أصرح من الشمس في رابعة النهار، حيث قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته) . وقال: (إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب) . وأما أقوال الصحابة: فقد أجمع الصحابة ﵃ على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة، فما منهم أحد قال ولا بحرف واحد: إن الله تعالى لا يرى في الآخرة، وهذه أقوالهم مأثورة في كتب السنة، ما منهم أحد نفى أن يرى الله تعالى في الآخرة، بل كلهم مجمعون على هذا، حتى إن بعض أهل العلم قال: من أنكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهو كافر؛ لوضوح الأدلة فيها وصراحتها، وإجماع الصحابة عليها، وإجماع الأئمة المتبوعين عليها، ولم يرد عن أحد منهم إنكارها. أسأل الله ﵎ لي ولإخواني النظر إلى وجه الله الكريم، وأسأل الله الهداية لمن أنكروا هذه الرؤية العظيمة التي هي ألذ ما يجده أهل الجنة في الجنة، والله على كل شيء قدير.

***