Skip to content

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر ٩٥

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط الفكر

محمد الأمين الشنقيطي

Printed page ١/ ٤٥٥

وَكَذَلِكَ شَجَرُهَا، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءٌ كَصَيْدِ وَجٍّ.

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ: " الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا "، فَذِكْرُهُ ﷺ لِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً فِي الدُّنْيَا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ تَجِبُ فِيهِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ الْجَزَاءُ الْوَاجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَاسْتَدَلَّ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ ﷺ صَرَّحَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمَدِينَةَ مِثْلَ تَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ لِمَكَّةَ، وَمُمَاثَلَةُ تَحْرِيمِهَا تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي جَزَاءِ مَنِ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ فِيهِمَا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْيَسُ عِنْدِي عَلَى أُصُولِنَا ; لَاسِيَّمَا أَنَّ الْمَدِينَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. اهـ.

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ، وَكَثْرَةِ مُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَةِ ضِعْفٍ أَظْهَرُ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْحَرَمِ الْمَدَنِيِّ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ فِيهِ هُوَ أَخْذُ سَلَبِ قَاتِلِ الصَّيْدِ، أَوْ قَاطِعِ الشَّجَرِ فِيهِ.

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ; لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁: " أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ "، وَأَحْمَدُ.

وَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ﵀ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصٌّ بِسَعْدٍ ﵁ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ قَوْلَهُ: " نَفَّلَنِيهِ " أَيْ أَعْطَانِيهِ، ظَاهِرٌ فِي الْخُصُوصِ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فِيهِ عِنْدِي أَمْرَانِ: