Skip to content

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية [سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٣٥ إلى ٥٣]

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Printed page ١٣/ ٥٨

على اتصاف الأنبياء ﵈ به قبل البعثة استقام نفي الإيمان قبل الوحي وإلى هذا ذهب ابن المنير. الثالث أن المراد شرائع الإيمان ومعالمه مما لا طريق إليه إلا السمع وإليه ذهب محيي السنة البغوي وقال: إن النبي ﷺ كان قبل الوحي على دين إبراهيم ﵇ ولم تتبين له ﵊ شرائع دينه، ولا يخفى أنه إذا لم يعتبر كون الكلام على حذف مضاف يلزمه إطلاق الإيمان على الأعمال وحدها وهو خلاف المعروف. الرابع أن الكلام على تقدير مضاف فقيل التقدير دعوة الإيمان أي ما كنت تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان وإليه يشير كلام أبي العالية.

وقال الحسين بن الفضل: أي أهل الإيمان أي لا تدري من الذي يؤمن، وأنت تدري أنه لا يرتضي هذا إلا من لا يدري. الخامس المراد نفي دراية المجموع أي ما كنت تدري قبل الوحي مجموع الكتاب والإيمان فلا ينافي كونه ﷺ كان يدري الإيمان وحده ويأباه إعادة لَا السادس أن المراد ما كنت تدري ذلك إذ كنت في المهد وإليه ذهب علي بن عيسى وهو خلاف الظاهر، والظاهر أن المراد استمرار النفي إلى زمن الوحي، وظاهر كلام الكشف يميل إلى اعتبار نحو ذلك القيد قال: لعل الأشبه أن الإيمان على ظاهره والآية واردة في معرض الامتنان والإيحاء يشمل الإلقاء في الروع وإرسال الرسول فالإيمان عرفه بالأول والكتاب بالثاني على أن الآية تدل على أنه ﷺ عرفهما بعد أن لم يكن عارفا وهو كذلك أما أنه ﵊ عرفهما بعد الوحي فلا فجاز أن يعرفهما به وجاز أن يعرف واحدا منهما معينا به. وقد دل الدليل على أن المعرف به هو الكتاب والإيمان بعد العقل وقبل الوحي، والتمسك به على أنه ﷺ لم يكن متعبدا بشرع من قبله ضعيف لأن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد بل يلزمه سقوط الإثم إن لم يكن تقصيرا انتهى.

وأنت تعلم أن المتبادر أنه ﵊ عرفهما بعد الوحي، وأما قوله قدس سره في تضعيف التمسك بذلك على أنه ﷺ لم يكن متعبدا بشرع من قبله إن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد فقد قيل عليه: إنه ساقط لأنه ﵊ إذا لم يدر شرعا فكيف يتعبد به، وقد يجاب بأن مراد المدقق أن الدراية المنفية الدراية بمعنى العلم الجازم الثابت المطابق للواقع وعدمها لا يلزمه، عدم التعبد إذ يكفي في التعبد بشرع من قبله ﵊ الظن الراجح ثبوته فلعله كان حاصلا له ﷺ.

ومثل هذا الظن يكفي للمتعبدين اليوم بشرع نبينا ﵊ فإن أكثر الفروع ظنية، ومن يتتبع الأخبار يعلم أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إبراهيم ﵇ من الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر وغير ذلك وأن النبي ﷺ كان أحرص الناس على اتباع دين إبراهيم ﵇. وفي الصحيح أنه ﷺ كان أي قبل البعثة يتحنث بغار حراء، وفسر التحنث بالتحنف أي اتباع الحنيفية وهي دين إبراهيم ﵊، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وفي رواية ابن هشام في السير يتحنف بالفاء بدل الثاء، نعم فسر أيضا بالتعبد كما في صحيح البخاري وباتقاء الحنث أي الإثم كالتحرج والتأثم وكل ذلك مما ذكره الحافظ القسطلاني في شرح الصحيح.

ثم إن الظاهر أن من قال: إنه ﷺ كان متعبدا بشرع من قبله ليس مراده أنه ﵊ كان متعبدا بجميع شرع من قبله بل بما ترجح عنده ﷺ ثبوته. والذي ينبغي أن يرجح كون ذلك من شرع إبراهيم ﵇ لأنه من ذريته عليهما الصلاة والسلام وقد كلفت العرب بدينه.

وقال بعضهم: إن عبادته ﷺ التفكر والاعتبار، ولعله أيضا مما ترجح عنده ﵊ كونه من شريعته ﵇ وربما يقال: بما علمه ﷺ لا على ذلك الوجه من شرع من قبله أنه ﷺ لم يزل موحى إليه وأنه