تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية
يناسب حال إرسال الرسول، أو يقال: لا نسلم أن العطف على ما كانَ لِبَشَرٍ ليس بحسن الانتظام، وفيه دغدغة لا تخفى، وفي الآية على ما قال ابن عطية دليل على أن من حلف أن لا يكلم فلانا فراسله حنث لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام، ونقله الجلال السيوطي في أحكام القرآن عن مالك وفيه بحث والله تعالى الهادي.
إِنَّهُ عَلِيٌّ متعال عن صفات المخلوقين حَكِيمٌ يجري سبحانه أفعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة وأخرى بدونها إما إلهاما وإما خطابا أو إما عيانا وإما خطابا من وراء حجاب على ما يقتضيه الاختلاف السابق في تفسير الآية وَكَذلِكَ أي ومثل هذا الإيحاء البديع على أن الإشارة لما بعد أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا وهو ما أوحي إليه ﵊ أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية، وقيل: أي ومثل الإيحاء المشهور لغيرك أوحينا إليك، وقيل: أي ومثل ذلك الإيحاء المفصل أوحينا إليك إذ كان ﵊ اجتمعت له الطرق الثلاث سواء فسر الوحي بالإلقاء أم فسر بالكلام الشفاهي، وقد ذكر أنه ﵊ قد ألقي إليه في المنام كما ألقي إلى إبراهيم ﵇ وألقي إليه ﵊ في اليقظة على نحو إلقاء الزبور إلى داود ﵇.
ففي الكبريت الأحمر للشعراني نقلا عن الباب الثاني من الفتوحات المكية أنه ﷺ أعطي القرآن مجملا قبل جبريل ﵇ من غير تفصيل الآيات والسور. وعن ابن عباس تفسير الروح بالنبوة.
وقال الربيع: هو جبريل ﵇، وعليه فأوحينا مضمن معنى أرسلنا، والمعنى أرسلناه بالوحي إليك لأنه لا يقال: أوحى الملك بل أرسله.
ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله ﷺ ولم يصعد إلى السماء
، وهذا القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين الإمامين، وتنوين رُوحاً للتعظيم أي روحا عظيما ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ الظاهر أن ما الأولى نافية والثانية استفهامية في محل رفع على الابتداء والْكِتابُ خبر، والجملة في موضع نصب بتدري وجملة ما كُنْتَ إلخ حالية من ضمير أَوْحَيْنا أو هي مستأنفة والمضي بالنسبة إلى زمان الوحي.
واستشكلت الآية بأن ظاهرها يستدعي عدم الاتصاف بالإيمان قبل الوحي ولا يصح ذلك لأن الأنبياء ﵈ جميعا قبل البعثة مؤمنون لعصمتهم عن الكفر بإجماع من يعتد به، وأجيب بعدة أجوبة، الأول أن الإيمان هنا ليس المراد به التصديق المجرد بل مجموع التصديق والإقرار والإعمال فإنه كما يطلق على ذلك يطلق على هذا شرعا، ومنه قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] والأعمال لا سبيل إلى درايتها من غير سمع فهو مركب والمركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه فلا يلزم من انتفاء الإيمان المركب بانتفاء الأعمال انتفاء الإيمان بالمعنى الآخر أعني التصديق وهو الذي أجمع العلماء على اتصاف الأنبياء ﵈ به قبل البعثة، ولذا عبر بتدري دون أن يقال: لم تكن مؤمنا وهو جواب حسن ولا يلزمه نفي الإيمان عمن لا يعمل الطاعات ليكون القول به اعتزالا كما لا يخفى.
الثاني أن الإيمان إنما يعني به التصديق بالله تعالى وبرسوله ﵊ دون التصديق بالله ﷿ ودون ما يدخل فيه الأعمال والنبي ﷺ مخاطب بالإيمان برسالة نفسه كما أن أمته ﷺ مخاطبون بذلك، ولا شك أنه قبل الوحي لم يكن ﵊ يعلم أنه رسول الله وما علم ذلك إلا بالوحي فإذا كان الإيمان هو التصديق بالله تعالى ورسوله ﷺ ولم يكن هذا المجموع ثابتا قبل الوحي بل كان الثابت هو التصديق بالله تعالى خاصة المجمع