Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث الموافقات القرآنية لعمر بن الخطاب

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٢/ ٨٥١

وذهب آخرون: إلى أنَّ المقصودَ بالآية حقيقةً تخييرُ النَّبي ﷺ بين الاستغفارِ وعدمِه، اعتمادًا على ظاهرِ الحديث، منهم: أبو بكر ابنُ العربيِّ (١)، وابن عطيَّة (٢)، وابن جُزَي (٣)، والآلوسي (٤).

وهؤلاء أجابوا عن دلالةِ التَّيئيسِ في الآية: بأنَّه مُستفادٌ مِن طريقِ الاستنباط، والحديث أقوى منه من حيث أنَّه نصٌّ صَريح فيُقدَّم عليه؛ فما فوقَ السَّبعين لم تُبيِّن الآية حكمَه، وبيَّن الحديثُ حكمًا مخالفًا (٥).

والَّذي يظهر لي بعد تَأملٍ في الآية الكريمة -والعلم عند الله تعالى-: عدم التَّنافي بين كِلا هذين القولين، فأقول:

إنَّ الآية تحتمِل معنَى التَّسويةِ والتَّيئيسِ مع معنى التَّخيِير أيضًا (٦)، فإنَّها خِلوٌ مِن نهَيٍ صَريحٍ عن الاستغفار للمنافقين، غايتها إعلامُ النَّبيِّ ﷺ بأنَّ الله تعالى لا يغفرُ لهم، ولو أكثرَ مِن الدُّعاء لبعضِهم، فالمعنى أنَّ الاستغفارَ مِن عدمه سواءٌ مِن حيث المَآل في آخِرَتِهم، ليَكونَ التَّيئيس مُنصَبًّا في هذه الجهةِ فقط.

أمَّا حكم ذلك مِن حيث المآل في الدُّنيا من جهةِ تحقُّق المصالِح ودرءِ المَفاسِد: فلم تتطَّرق الآية له، فيبقى تحقيقُ هذه الحيثيَّة على أصلِه راجعًا إلى سياسةِ النَّبي ﷺ، ومَعلومٌ مع هذا كونُه ﷺ يُجري على المنافقينَ أحكامَ ظاهرِ أحوالِهم بين عامَّةِ المسلمين، «والقرآن ينعتُهم بسيماهم، كيلا يطمئِنَّ لهم المسلمون، وليأخذوا الحذرَ منهم، فبذلك قُضِيَ حَقُّ المصالحِ كلِّها» (٧).