Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الأول المسلك الإسنادي لدعوى احتواء «الصحيحين» على إسرائيليات، ونقضه

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٣/ ١٧٥٧

ومُحصَّل تَوجيهِهم المُعتبَرِ لكلامِ معاوية ﵁: أنَّه كان يَقَع من كعبٍ الكذبُ مِن غيرِ قَصدٍ، والكذبُ في اللُّغة قد يأتي بمعنى الخَطأ (١)، لأنَّه يُشبهه في كونِه ضدَّ الصَّواب، كما أنَّ الكذب ضدُّ الصِّدق، وإنْ افترقا مِن حيث النِّية والقَّصد (٢).

يقول ابن حبَّان: «أرادَ معاوية أنَّه يُخطئ أحيانًا فيما يُخبر به، ولم يُرد أنَّه كان كَذَّابًا» (٣).

فلِأنَّ كعبًا كان يُحدِّث عن صُحفٍ فيها أشياءُ مكذوبةٌ -إذ لم يَكُن في مِلَّتِهم حُفَّاظ مُتقنون يَذبُّون عنها كما في الأمَّةِ المحمَّدية- «كان يَقع بعضُ ما يُخبرنا عنه بخلافِ ما يُخبرنا به، .. وهذا نحو قولِ ابنِ عبَّاس في كعبٍ المَذكور: بَدَّلَ مَن قَبله، فوَقَع في الكذبِ» (٤).

ويقول ابن الجوزيِّ في شرحِ عبارةِ معاوية: «يعني أنَّ الكذبَ فيما يُخبر به عن أهل الكتاب لا منه، فالأخبارُ الَّتي يحكيها عن القومِ يكون بعضها كذبًا، فأمَّا كعب الأحبار فمِن كبارِ الأخيار» (٥).

فهذه أعدَلُ التَّأويلاتِ لكلامِ معاويةِ ﵃ في حقِّ كعبِ الأحبار.

ومهما يكُن؛ فإنَّ جميعَ العلماءِ يَشرحونه بما يُبعِد هذه الوصمةَ الشَّنيعةَ عنه، ولا أحدَ مِن أئمَّة الجرح والتَّعديل فهِم مِن كلام معاوية ما فهِمه (رشيد رضا)، «والكلامُ مِن معاوية له وزنُه، فهو رجلٌ داهيةٌ، لا تخفى عليه الرِّجال ولا دَسائسهم، ومعاويةُ لا يخشى كعبًا، ولا يُعقَل أن يَتمَلَّقه، ولو يعلمُ فيه أكثرَ مِن ذلك لقالَه» (٦).