المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين
وأنكرَ بعدُ ابنُ الصَّلاح على ابن حزمٍ مَقالَته في الحديث وراويه، وبالغ أيضًا في الشَّناعةِ عليه، فقال: «هذا القول مِن جَسَارتِه، فإنَّه كان هَجومًا على تخطئةِ الأئمَّة الكِبار، وإطلاقِ اللِّسان فيهم، .. ولا نعلَمُ أحدًا مِن أئمَّةِ الحديثِ نَسَب عكرمةَ بنَ عمَّار إلى وضعِ الحديث، .. وكان مُستَجابَ الدَّعوة» (١).
وقد كُنت أُمَنِّي النَّفسَ أنْ يكون لكلامِ ابن حزمٍ هذا حَظٌّ مِن النَّظر صحيح إذا ما حمَلَنا اصطلاحَ «الموضوع» عنده على: ما قام دَليلٌ على بطلانِ المتنِ، وإن كان راويِه لم يَتَعَمَّد الكذب، فيكون مَكذوبًا تَجَوُّزًا باعتبارِ مخالفةِ الواقع، النَّاتج عن غفلةِ الرَّاوي ونحوها مِن مَثاراتِ الغَلط في الرِّواية.
إلى أن وَجَدتُ في كلامِ ابن حزمٍ ما يُخْبي جَذوةَ مُنْيَتي تلك، حيث تَقصَّدُ مَعنى الكذِب مِن الرَّاوي عكرمة واضح فيه! وذلك فيما أثبتَه عنه ابن طاهرٍ المقدسيُّ أنَّه قال خِتامَ مقالتِه في الحديث: «ومثلُ هذا لا يكون خطأً أصلًا، ولا يكون إلَّا قصدًا، فنَعوذ بالله مِن البَلاء»! (٢)
فعلى هذا يكون ابن حزم أوَّلَ وآخرَ مَن يَتَّهم عكرمة بالوضع! وهذا الحكم مِنه لا يكون إلَّا عن غفلةٍ من التَّفرقةِ بين الوَهم والوَضع في الحديث، والله أعلم.
وابن حزمٍ وإن عَدَّه بعضُ العلماء مِن جملة علماء الجرح والتَّعديل (٣)، فإنَّه لا ريبَ عند كثيرين في عِداد المُتشَدِّدين في الجرح خاصَّة (٤)؛ ولكونِه كذلك، حَذَّرَ غيرُ واحدٍ مِن اعتمادِ أقوالِه مُفردةً في هذا الباب (٥).