Skip to content

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين المطلب الثالث دفع دعوى المعارضات الفكرية المعاصرة عن أحاديث عذاب الميت ببكاء أهله عليه

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Printed page ٢/ ١١٦١

ومن براهين ذلك أيضًا: أنَّ مِن العقوبات ما يصيب غيرَ المُعاقَب؛ فيكون مصيبةً في حقِّه، كما قال ﷺ: «إذا أنزلَ الله بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ مَن كان فيهم، وبُعِثُوا على نيَّاتهم» (١).

فإذا تَحَصَّل مِن ذلك عموم معنى العقاب، عُلِم أنَّ ما يجده الميِّت مِن الألم بسببِ النِّياحة عليه:

قد يكون عقوبةً له؛ إن كان مِن سُنَّة أَهله فِعْلُ ذلكَ، ولم ينههم، أو أمَرَ به بعد موته، وهذا مذهب البخاريِّ البيِّن مِن تبويبه للحديث بقوله: «باب: قول النَّبي ﷺ: يُعذَّب الميِّت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النَّوح من سُنَّته» (٢).

وقد يكون ما يجده مِن الألم جرَّاء ذلك هو مِن جِنس الضَّغطة، وانتهار الملَكَين، والمرور على الصِّراط، وغيرها مِن أهوال يوم القيامة، فهذه الآلام تكون سببًا لتكفير خطايا المؤمن، وهذا ما نحا إليه جِلَّةٌ مِن العلماء؛ كابن جرير الطَّبري، والقاضي عياض (٣).

وفي بيان هذا المعنى يقول ابن تيميَّة:

«فهذا الحديثُ قَبِلَه أَكابر الصَّحابةِ مثلُ عمرَ، وهو يُحدِّث به حين طُعن، وقد دخل عَليه المهاجرون والأنصار، وينهى صُهيبًا عن النِّياحة، ولا ينكر ذلك أَحد؛ وكذلك في حال إمرته يعاقِبُ الحيَّ الَّذي يُعذِّب الميِّتَ بفعله، وتلقَّاه أكابر التَّابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره، ولم يَردُّوا لَفْظَه ولا معناه.

والَّذي عليه أَكابر الصَّحابةِ والتَّابعينَ هو الصَّواب؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: (يُعذَّب)، ولم يقل: (يُعاقب)! والعذابُ أعمُّ من العقاب .. فالعذاب هو: الآلام الَّتي يُحْدِثُها الله تعالى؛ تارةً يكون جزاءً على عَمَل فيكون عقابًا، وتارةً يكون